فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 1236

وقد تكون مصافي الذنوب وكفارات الخطايا من طريق الابتلاء، وقد ورد في ذلك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كُفِّر الله بها من خطاياه"، وقوله:"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن".

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للإفادة من هذه المصافي الإيمانية، ويجعلها كفارات لذنوبنا، وألا يقبضنا إليه إلا وهو راضٍ عنا.

داعية لبناني بارز

وبشر الصابرين

ينظر كثير من الناس إلى المرض نظرة قاصرة، فيراه البعض دليلًا على غضب الله، ويراه آخرون انتقامًا من هذا المريض، والحق أن المرض ابتلاء من الله عز وجل للإنسان المسلم، لينظر أيصبر على قدر الله ويرضى به، فيرضى الله عنه، ويكتب له الأجر في الدنيا والفوز في الآخرة؟ أم يجزع وييأس ويقنط من رحمة الله فيخسر ثواب الدنيا، ويفوته رضا مولاه في الآخرة؟

فمن فضل الله علينا أن ديننا لم يترك لنا شيئا إلا وحدثنا عنه أو أعطانا مفاتيح العلم به، وكثيرا ما نخطئ في أمور كثيرة حين ننظر إلى الأسباب المادية المحسوسة ونحتكم إليها دونما أن نحتكم للمعايير الإيمانية التي هي أقوى سلاح في يد المسلم، فمن صميم عقيدتنا أن الدواء لا يشفي والطبيب لا يشفي.

ولكن الشافي الحقيقي الذي بيده الشفاء هو الله تبارك وتعالى، وما الطبيب والدواء إلا مجرد أسباب نأخذ بها، أمرنا بها رسولنا الكريم، ونحن مسئولون أمام الله عن تركها، أما النتيجة الحقيقة فهي بيد الله تعالى.

أرحم بنا منا

لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي أنزل الداء -أي المرض- هو الله جل وعلا. ومَنْ هو الله؟ إنه الرحمن بعباده، الرحيم بالضعفاء سبحانه وتعالى، وهو لا يريد العذاب لعباده سبحانه.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من السبايا ملصقة ولدها ببطنها فقال لأصحابه:"أرأيتم هذه مضيعة ولدها؟"قالوا لا يا رسول الله فقال:"لَلَّهُ أرحمُ بعبده من هذه على ولدها"!!

أرأيت أخي المسلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من الأم على ولدها؛ لذلك أبشر يا من ابتليت فسوف تجد من رحمة الله وعدله ما يرضيك، فإنما أنزل بك هذا المرض ليُقربَك لا ليعذبك، أصابك به ليطهرك ويصطفيك، لا ليبعدك ويقليك، ولك في أنبياء الله وأصفيائه قدوة حسنة فهم أشد الناس بلاء.

لقد أخبرتنا السنة النبوية بأن لكل داءٍ دواء، ولكل مرض شفاء، ولا يوجد على وجه الأرض مرض ظهر قديما أو حديثا، إلا وله علاج ودواء بصريح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

فربما يقول المريض قد أصابني المرض فرضيت وسلمت لأمر الله تعالى، وعلمت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارَه فيها بأن لكل مرض علاجا وشفاء ففرحت واستبشرت، ولكني حزين لِمَا أصابني من أمراض؛ لأن هذا معناه أن الله تعالى غاضب مني، ولا يحبني وأنني هيِّن على الله تعالى، فلذلك أقعدني بالمرض وأذلني بالداء حتى صرت أشعر بالحرج بين الناس حين يرونني طريحَ الفراش أو يسمعون بما أصابني من أوجاع، فلعلهم يشمتون فيَّ ويتكلمون عليَّ.

فلتطرح أيها المبتلى هذه الوسوسة الشيطانية بعيدا، فقد أراد الشيطان أن يوقع بينك وبين ربك جل وعلا، وأن يعميك عن الحكمة من هذا البلاء، يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العالمين:"إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم... مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال تعالى:"أما علمْتَ أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتني عنده..." [رواه مسلم] ."

فلاحظ فيها أن الله تعالى قد شرفك تشريفًا عظيمًا حينما جعلك حال مرضك كأنه هو سبحانه المريض فهذا تشريف ومواساة لك، وتأَمَّلْ أيضا قوله تعالى:"لو عدته لوجدتني عنده"تجد أن الله سبحانه يرفع من شأنك حال مرضك، ويعلم من يزورك أنه سيجد عندك المولى الجليل سبحانه وتعالى، وما ذاك الشرف والفضل لك إلا لأنك مريض، إذن من أراد أن يزور الله رب العالمين في الدنيا فليسرع لزيارتك أيها المريض.

البلاء عنوان المحبة

ومن لطف الله عز وجل ورحمته أنه لا يغلق بابا من أبواب الخير إلا فتح لصاحبه أبوابا. فعلاوة على ما يكتب للمرضى من الأجر جزاء ما أصابهم من شدة ومرض وصبرهم عليه، لا يحرمهم ثواب ما اعتادوا فعله من الطاعات؛ إذا قصروا عنها بسبب المرض.

فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما" [رواه البخاري] ، فأي كرم بعد هذا الكرم، وأي فضل أوسع من فضل الكريم المتعال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت