وما يصيب الإنسان، إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوؤه فهو نعمة؛ من جهة أنه يكفر خطاياه ويثاب عليه، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216] . وصدق رسول الله إذ يقول: (( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له؛ ولا يكون ذلك إلا للمؤمن ) ) [رواه مسلم] [2] .
أيها الناس، إن البشر قاطبة مجمعون إجماعا لا خداج فيه، على أن الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى، وأن الصحة والعافية، نعمة مغبون فيهما كثير من الناس الأمراض والأسقام ـ عباد الله ـ، أدواء منتشرة انتشار النار في يابس الحطب، لا ينفك منها عصر، ولا يستقل عنها مصر، ولا سلم منها بشر ولا يكاد إلا من رحم الله؛ إذ كلها أعراض متوقعة، وهيهات هيهات أن تخلو الحياة منها، وإذا لم يصب أحد بسيلها الطام، ضربه رشاشها المتناثر هنا أو هناك.
ثمانية لابد منها على الفتى ولابد أن تجري عليه الثمانيه
سرور وهمّ واجتماع وفرقة ويسر وعسر ثم سقم وعافيه
الأمراض والأسقام، هي وإن كانت ذات مرارة وثقل، واشتداد وعرك، إلا أن الباري ـ جل شأنه ـ، جعل لها حكما وفوائد كثيرة، علمها من علمها وجهلها من جهلها.
ولقد حدث ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن نفسه في كتابه (( شفاء العليل ) )أنه أحصى ما للأمراض من فوائد وحكم، فزادت على مائة فائدة، وقال أيضا: (( انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض، أمر لا يحس به إلا من فيه حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها ) ). انتهى كلامه ـ رحمه الله ـ.
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد , والصلاة و السلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد أفضل مَن لله سجد ,وخير مَن الله عبد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه بلا انقطاع ولا عدد وبعد:
فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الدنيا واستخلف فيها البشر فجعلها دار اختبار وابتلاء وتمحيص حتى يميز الخبيث من الطيب ويفصل الصالح عن الطالح ويجزي المحسن ويعاقب المسيء فقال جل جلاله (( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) )فكان الابتلاء سنة من سنن الله سبحانه وتعالى يبتلي بها المسلم والكافر على حد سواء غير أن النتيجة مختلفة قطعا فكل من المسلم والكافر يتعرض للنعمة وللمصيبة وكل منهما يتأذى من المصيبة في الدنيا ويستفيد من نعم الله في الأرض إلا أن المؤمن يحصد من الثمرات في الآخرة ما لا يحصده غيره من البشر فقال صلى الله عليه وسلم (( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن إصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) )
عباد الله:
إن الله سبحانه وتعالى يبتلي العبد بالنعم كما يبتليه بالمصائب على حد سواء ولا يحسبن أحد أن المصائب والابتلاء بها دليل غضب أو سخط من الله سبحانه وتعالى أو أن كثرة النعم والخيرات هي دليل محبة الله سبحانه وتعالى بل قد يكون الأمر خلاف ذلك لأن الله جل الله جلاله يحب أن يسمع شكوى عبده المؤمن وأنينه بين يدي الله تعالى هذا وإن الابتلاءات من أوسع الأبواب التي يكفر الله تعالى بها الخطايا عن العبد المؤمن الصابر فهذا حبيبنا صلى الله عليه وسلم يقول (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئته ) )ويقول صلى الله عليه وسلم (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) )كان من الصالحين فهو تنبيه من الله تعالى لخطأ ما أو تحذير لخلل وقع عند ذلك العبد أو تلك الأمة فإن من المصائب ما هو للتحذير والتنبيه عند التقصير واسمع إذا شئت قول الله تعالى (( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان لهم ما كانوا يعملون ) ).