وما استطاع الأعداء ولن يستطيعوا أن يتسلطوا علينا إلا حين نسقط في هذه الفتن فتن الاختلاف والتنازع والخصام والاقتتال والتدابر والتقاطع، لقد اختلفنا حول كل شيء فالدين الذي أكرمنا الله به وأعزنا وشرفنا بأن نكون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم اختلفنا حوله فهناك من يريد هدمه وإزالته والإجهاز عليه من أبناء جلدتنا، ولم يعد الأمر سرًا بل هناك من يطالب جهارًا نهارًا بذلك وهذه هي الحالقة والكارثة.
لقد اختلفنا في المفاهيم والتصورات وفي الآداب والأخلاق وفي السياسات والمنطلقات والغايات.
والأعداء المتربصون بالأمة يغذون هذه الاختلافات، ثم يتحينون الفرصة للانقضاض علينا، ولقد أصبحت هذه السياسة من أقوى وأشد الأسلحة فتكًا بالأمة يستخدمها الأعداء في حربنا، وانظروا إلى ما يجري في العراق على سبيل المثال، وانظروا إلى ما يجري في السودان وكيف يبحث الأعداء عن مبررات للتدخل والسيطرة والتحكم في مقدرات الأمة ونهب ثرواتها. وما كان لهم أن يحققوا شيئًا من ذلك ولن يستطيعوا ما كانت الأمة قوية متماسكة متعاونة موحدة في أهدافها ومنطلقاتها معتصمة بكتاب الله متبعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإن أخشى ما أخشاه والعدو متربص بنا على أن يستغل الأحداث الجارية في بلادنا وتغذية الفرقة وإيقاد الفتنة لتضعف بذلك الأمة وتكون مهيأة للقبول بالأجنبي ولديها القابلية للسقوط في هذا الفخ، فعلى عقلاء الأمة ومسئوليها أن يكونوا مدركين للأمور على حقيقتها وأن يتعاملوا مع الأحداث تعاملًا واعيًا مسئولًا، بعيدًا عن الرعونة والطيش والاستخفاف.
نسأل الله تعالى أن يدفع عن بلادنا وسائر بلاد المسلمين مضلات الفتن، وأن يعصمنا بالإسلام قائمين وقاعدين، وأن لا يشمت بنا الأعداء الحاقدين.
راجعه/ علي عمر بلعجم.
عبد الحميد أحمد مرشد
الأصل الأول: أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار- والواقع شاهد بذلك-. وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير.
الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا، فمعولهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته، فإنهم كلما شاهدوا العوض؛ هان عليهم تحمل المشاق والبلاء. والكفار لا رضا عندهم، ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [104] } [سورة النساء] . فاشتركوا في الألم وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى.
الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أوذي في الله، فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه، ووجود حقائق الإيمان في قلبه حتى يحمل عنه من الأذى ما لو كان شيء منه على غيره لعجز عن حمله، وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن، فإنه يدفع عنه كثيرًا من البلاء، وإذا كان لا بد له من شيء منه دفع عنه ثقله، ومؤنته، ومشقته وتبعته.
الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت في القلب ورسخت فيه؛ كان أذى المحب في رضى محبوبه مستحلى غير مسخوط، والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالك
فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له، وإحسان إليه.
الأصل الخامس: أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان-وإن كان في الظاهر بخلافه- قال الحسن:' إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه'.
الأصل السادس: أن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ] رواه مسلم. فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأقرب إليهم، فالأقرب، يبتلى المرء على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة.