فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 1236

لقد بين الله عز وجل هذا العداء وسببه في كتابه العزيز، حيث قال جل جلاله: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) )البقرة 120

إنها قاعدة ربانية واضحة، تبين طبيعة العلاقة بين اليهود والنصارى وبين المسلمين (ولا يخفى على أحد دور اليهود والنصارى وتأثيرهم في إدارة العالم كله) .. إن هذه العلاقة مبنية على الكره والحقد من هؤلاء (الضالين والمغضوب عليهم) تجاه المسلمين، والسبب في ذلك، هو أن المسلمين عرفوا الحق فاتبعوه، أما اليهود والنصارى عرفوا الحق فحاربوه، فهم يحسدون المسلمين على اتباعهم المنهج الصحيح الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.. ويشير الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: (( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )البقرة 109

ومع وضوح هذه الآيات والتوجيهات الربانية، نجد من يوالي اليهود والنصارى، فيعقد اتفاقيات السلام، واتفاقيات الدفاع المشترك، وغيرها من الاتفاقيات.. وقد نهانا الله في آيات كثيرة عن هذا الفعل المجانب للصواب، حيث قال جل شأنه: (( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) )المجادلة 22

فبين المولى أن هذه المولاة من صفات المنافقين، أما الذين آمنوا فهم أبعد ما يكونون عن موالاة من حاد الله ورسوله ولو كانوا أولى قربا لهم.

وأود أن أختم مقالي هذا بتوضيح أمر هام جدا، أو سبب هذه الابتلاءات التي تصيب المسلمين، من أقتل وتشريد وانتهاك أعراض وسلب أموال وغيرها. إن هنالك سببين رئيسيين لهذه الابتلاءات هما:

الأول: اختبار المسلمين وتمحيصهم لمعرفة المؤمن من المنافق، وتربية المؤمنين وتعويدهم على الشدائد، ورفع مقام المؤمنين عند الله بزيادة حسناتهم لصبرهم على هذا الابتلاء.

الثاني: الابتعاد عن الدين. وفي قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إشارة واضحة لهذا المعنى حيث قال: (( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ) ). فلن ينفعنا الشرق ولا الغرب إذا ابتعدنا عن الإسلام.

وفي الختام.. اللهم ردنا إلى الإسلام ردا جميلا.. اللهم آمين

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « كَانَ رَجُلٌ فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ ، يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ ، يُصَلِّى ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا ، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّى ثُمَّ أَتَتْهُ ، فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ . وَكَانَ جُرَيْجٌ فِى صَوْمَعَتِهِ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا . فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى ، فَأَتَتْ رَاعِيًا ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا ، فَقَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ . فَأَتَوْهُ ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ ، فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ قَالَ الرَّاعِى . قَالُوا نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ . قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ » (1)

(1) - صحيح البخارى برقم ( 2482 ) ومسلم برقم (6672)

وفي شرح ابن بطال - (ج 12 / ص 130)

وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أن من هدم حائطا لرجل فإنه يبنى مثله على ظاهر هذا الحديث، واختلف قول مالك في ذلك، فروى ابن القاسم عنه في العتبية: في رجل له خليج يجرى تحت جدار رجل آخر، فجرى السيل فيه فهدمه، قال مالك: أرى أن يقضى يبنيانه على صاحب الخليج الذى أفسد حائط الرجل.

وقال في المدونة: ما انهدم من الربع بيد الغاصب، وإن لم يكن بسببه فعليه قيمته يوم الغصب. وقوله في مسألة الخليج أشبه بالحديث.

قال المهلب: وفى هذا الحديث من الفقه المطالبة بالدعوى، كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادعته المرأة عليه، وفيه استنقاذ عباد الله تعالى لصالح عباده وأوليائه عند جور العامة وأهل الجهل عليهم بآية يريهم الله إياها، فإن كانت عرض في الإسلام فبكرامة يكرمه الله بها، وسبب يسببه له، لا بخرق عادة، ولا قلب عين، وإنما كانت الآيات في بنى إسرائيل؛ لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ممتنعة عليهم.

ولا نبى بعد محمد، فليس يجرى من الآيات بعده ما يكون خرقًا للعادة ولا قلب العين، إنما تكون كرامة لأوليائه مثل: دعوة مجابة، ورؤيا صالحة، وبركة ظاهرة، وفضل بين توفيق من الله إلى الإبرار مما اتهم به الصالحون، وامتحن به المتقون.

وفى دعاء أمه عليه وهو في الصلاة دليل أن دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان في حال ضجر وحرج ولم يكونا على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التى كذبت عليه، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه، فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب للإنسان أن يراعى أمر ربه ودينه، ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته.

وقوله: « فتوضأ وصلى » فيه رد على من قال أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم، وأنهم يأتون لذلك غرًا محجلين يوم القيامة، فبان بهذا الحديث أن الوضوء كان في غير هذه الأمة، ووضح أن الذى خصت به هذه الأمة من بين سائر الأمم إنما هو الغرر والتحجيل ليمتازوا بذلك من بين سائر الأمم، وقد جاء في حديث سارة حين أخذها الكافر من إبراهيم أنها قامت فتوضأت وصلت حتى غط الكافر برجله، ذكره البخارى في كتاب الإكراه، وقد روى عن الرسول أنه توضأ ثلاثًا وقال: « هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى » فثبت بهذا كله أن الوضوء مشروع قبل أمه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت