فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 1236

فقال: يا أخي سررت بكم سرورًا ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته عليَّ فيكم، إذ هبط عليَّ جبرئيل فقال: يا محمد؛ إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة وهنّأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة، لا يفرق بينك وبينهم. يحبّون كما تحبى، ويعطون كما تعطى، حتى ترضى وفوق الرضا. على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من الله ومنك خبطًا خبطًا، وقتلًا قتلًا. شتى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم. فاحمد الله جل وعز على خيرته وارض بقضائه. فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.." (1) "

هكذا نصب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مأتمًا قبل وقوع فاجعة كربلاء العظيمة، بحيث يحضر فيها صاحب الدور العظيم الحسين عليه السلام وأمه وأبيه وأخيه في المأتم.

وهنا تأتي البشارة الكبرى لشيعة الحسين عليه السلام ومحبيه الذين ساروا على نهجه عليه السلام بأن يكون (الرضى) من الله تعالى يوم القيامة في قبالة تحمل العناء والعذاب والوصب في سبيله.

أجل؛ هذا المشهد البطولي لأهل بيت النبوة عليهم السلام في أرض كربلاء، يحكي لنا قوة وصدق الايمان، وعظمة الأداء والبذل والاسترخاص.. ويبين عاقبة مسيرة هؤلاء الأفذاذ الحسنة، وفي المقابل عاقبة أعدائهم طلاب الهوى والدنيا السيئة..

( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لأَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(.(العنكبوت/4-6)

قضية الإعداد وإحراز المقدمة تعتبر إحدى المواضيع المهمة التي تدرس في علم أصول الفقه، وذلك بالنظر إلى أنّ المكلّف يعجز عن تحقيق وأداء الفرائض الملقاة على عاتقه دون إحراز مقدماتها والإعداد لها. وعليه؛ كان من المنطقي لعلماء الأصول والفقه بحث هذا الموضوع لينتهوا عبره الى نتائج عملية ملموسة، تجعل من الإفتاء مهمّة يسيرة إلى حدٍ بعيد.

ولقد عالجت الآيات القرآنية العديدة هذه القضية، لتمثل بدورها نورًا يستضيء العلماء والمفتون به، من قبيل قول الله تبارك وتعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى((النجم/39-40) إذ السعي والحركة من شأنه إيصال المكلَّف الى تحقيق ما يصبو إليه، دون الجمود والخنوع. وقوله سبحانه: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً((التوبة/46) نظرًا الى أنّ الإعداد أهم بدرجات من المواجهة ذاتها، لأن ساعة المواجهة هي ساعة الصراع، وأيّ عاقل ورشيد لا يدخل الصراع دون أن يهيء نفسه لتلك الساعة. وقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَااسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاتَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاتُظْلَمُونَ((الانفال/60) فإذا كان الهدف محدّدًا فلابدّ من الإعداد له، لإحراز الكثير من الإنجازات، ولتجنب الكثير من أشكال العقبات أو الهزائم..

والفترة التي تستغرقها عملية الإعداد والإيتاء بمقدمة الواجب، هذه الفترة بالذات ما تدعى بالانتظار، إذ الإنتظار لايعني جلوس المرء في بيته متوقعًا أن يحقّق الله له تطلعاته وآماله وأهدافه، إنّما الانتظار يعني سعي الإنسان وتحركه باتجاه إعداد ما ينتظره وما يريد تحقيقه. وإنطلاقًا من هذه القناعة، نقول إنّ قول الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ((الاحزاب/23) يشير ويؤكد أنّ المنتظر هو الساعي والمتحرك والمعدّ نفسه ومهيّؤها ليوم المواجهة ولحظة الانطلاق.

هذه الآية الكريمة نزلت بحق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حديث طويل مع يهودي، قال فيه: ولقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى، فأنزل الله فينا: (مِنَ المؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَليه فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِر وَمَا بَدَّلوا تَبْديلا( حمزة وجعفر وعبيدة، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود، وما بدلت تبديلا".(1) "

وبهذا بقي الإمام عليّ ينتظر الشهادة على أحرّ من الجمر، ولن يبدل أو يخلف في انتظاره أو يتراجع عمّا يعتقده ويؤمن به، ولو بمقدار أنملة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت