فلا ينبغي للمرء أن يذل نفسه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم .
"لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرَّض من البلاء لما لا يطيق" {السلسلة الصحيحة} .
لكن إذا وقع البلاء فنحن مأمورون بالصبر اقتداءً بالأنبياء، قال تعالى:
فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم {الأحقاف:35} .
قال عمر رضي الله عنه: بالصبر أدركنا حسن العيش.
ولأهل السنة عند المصائب ثلاثة فنون:
1 الصبر .
2 الدعاء .
3 انتظار الفرج .
سقيناهمو كأسا سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا
سقيناهمو كأسا سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا
وفي الحديث:"من يتصبر يصبره الله..." {مسند أحمد} .
بل قد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأينا مبتلى أن نقول:
الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلقه تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء {الترمذي} .
وأخيرًا: فلنعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت ابتلاء العباد في الدنيا، فإخفاء موعد الموت وساعته: ابتلاء، ليكون الإنسان دائم الحذر، فربما يستدعيه خالقه في أي لحظة لسؤاله عن الأمانة.
وعدم علم الغيب: ابتلاء، وعدم رؤية الجن: ابتلاء، وعدم رؤية الملائكة: ابتلاء، والله لا يُرى إلا في الآخرة تحقيقا للابتلاء.
فلو رأينا الجنة والنار، فلم إذن الرسل؟ ولم الشرائع، ولم الابتلاء، ولماذا إذن يكون المؤمنون بالغيب هم المفلحين.
والله أعلم.
منقول عن مجلة التوحيد
الحمد لله القائل: {وَلَنَبلُوَنكُم بِشَيء منَ الخَوف وَالجُوعِ وَنَقصٍ منَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثمَراتِ وَبَشرِ الصابِرِينَ (155) الذِينَ إِذَا أَصَابَتهُم مصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلهِ وَإِنا إِلَيهِ راجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ من ربهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ} . [البقرة:155-157] . والصلاة والسلام على رسول الله الذي ابتُلي بأنواع من البلاء، فصبر وشكر، وعلى آله وصحابته المبتلين الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فلا يخفى على أحدٍ أنَّ الحياة الدنيا مليئة بالمصائب والبلاء، وأنَّ كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ عرضة لكثيرٍ منها: فمرة يُبتلى بنفسه، ومرة يبتلى بماله، ومرة يبتلى بحبيبه، وهكذا تُقلَّب عليه الأقدار من لدن حكيم عليم. وإذا لم يحمل المؤمن النظرة الصحيحة للبلاء فسوف يكون زللُه أكبر من صوابه، ولا سيما أن بعض المصائب تطيش منها العقول لضخامتها وفُجاءَتها - عياذًا بالله.
ومن هنا كانت كتابة هذه الرسالة لتسلية كل مصاب مهما بلغ مصابه، أبيِّن له من خلالها بعض حِكم البلاء العظيمة التي ربما غفل عنها بعض الناس - هداهم الله- ونسوا أو تناسوا أن الله لا يبتلينا ليعذبنا، بل ليرحمنا. وأن على المؤمن أن ينظر إلى البلاء- سواءً كان فقدانًا للمال أو الصحة أو الأحبة- من خلال نصوص الكتاب والسنة على أنه:
أولًا: امتحان وابتلاء:
نعم امتحان وابتلاء، فنحن في قاعة امتحان كبيرة نُمْتحن فيها كل يوم تدعى الحياة، فكل ما فيها امتحان وابتلاء: المال فيها امتحان، والزوجة والأولاد امتحان، والغنى والفقر امتحان، والصحة والمرض امتحان، وكلنا ممتحن في كل ما نملك وفي كل ما يعترينا في هذه الحياة حتى نلقى الله، قال تعالى: {كُل نَفسٍ ذَائِقَةُ المَوتِ وَنَبلُوكُم بِالشر وَالخَيرِ فِتنَةً وَإِلَينَا تُرجَعُونَ} . [ الأنبياء: 35 ] .
وقال جل ذكره: {أَحَسِبَ الناسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا ءامَنا وَهُم لاَ يُفتَنُونَ (2) وَلَقَد فَتَنا الذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَن اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعلَمَن الكَاذِبِينَ} . [ العنكبوت: 2-3 ] .
فأنت أيها المعافى ممتحن، ولكن ما أحسست أنك في قاعة امتحان حتى ابتُليت، وأنت أيها المريض ممتحن، ولكن ما أحسست أنك في قاعة امتحان حتى شُفيت.
وليس فينا من هو أكبر من أن يمتحن. وكيف لا وفي الحديث الصحيح:"أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل…" [ رواه البخاري ] . كما أنه ليس فينا من يملك رفض هذا الامتحان. ولكن فينا من يُمتحن بالبلاء فينجح بالصبر والإيمان والاحتساب، وفينا من يمتحن بالبلاء فيرسب بالجزع والاعتراض على الله - عياذًا بالله.
ورحم الله الفضيل بن عياض حين قال:"الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه".
ثانيًا: قسمة وقدر:
إنَّ الله تعالى قسم بين الناس معايشهم وآجالهم، قال تعالى: {نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم معِيشَتَهُم في الحَياةِ الدنيَا} . [الزخرف: 32 ] . فالرزق مقسوم، والمرض مقسوم، والعافية مقسومة، وكل شيء في هذه الحياة مقسوم. فارضَ بما قسم الله لك يا عبد الله، ولا تجزع للمرض، ولا تكره القدر، ولا تسب الدهر، فإن الدقائق والثواني والأنفاس كلها بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فيُمرِض من يشاء، ويعافي من يشاء، ويبتلي من يشاء {أَلاَ لَهُ الخَلقُ وَالأمرُ} . [الأعراف: 54] . - بلى سبحانه وتعالى.