فهرس الكتاب

الصفحة 1154 من 1236

ولابدّ أن يعرف الإنسان أنه مسؤول عما يقوم به من أعمال، ومحاسب عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولذلك نرى القرآن يؤكد باستمرار على فكرة المسؤولية، حتى تبدو وكأنها خلاصة لتوجيهات آيات القرآن. والتدبّر في هذه الآيات يفرز توجيهًا عامًا يهدف الى ترسيخ هذه الفكرة في النفس البشرية.

ولكن لماذا كلّ هذا الاصرار على تأكيد فكرة المسؤولية؟

الجواب: إن الإنسان يهرب دائمًا من تحمل المسؤولية، ولا يريد أن يوحي الى نفسه أنّه مسؤول، ويرى من الصعب عليه أن يحمّل نفسه هذه الأمانة، فيبعدها عنه حتى أنه ينسب الأخطاء والسلبيات الى ما حوله تخلّصًا من المسؤولية. ولكن القرآن الكريم يقول: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ((هود/111) . ونحن نلاحظ أن في هذه الآية ستة تأكيدات تركّز الكلام، لكي يكرّس القرآن روح المسؤولية في أنفسنا.

إستقم ولا تطغى

ثم يقول تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا((هود/112) ، وهذه الآية تطالب بالاستقامة البعيدة عن التكبر والتعالي والطغيان، وعن المنّة على الله عز وجل، بأننا قد استقمنا. فالاستقامة يجب أن تكون مع التواضع، وهي ليست بالأمر الهيّن اليسير، خصوصًا عندما يشتدّ البلاء، وتزداد المصائب، وتطول المدّة.. حينذاك يجدر بالانسان أن لا يتراجع أو يتخاذل ويتكاسل، بل ينبغي أن يصبر ويستقيم، لأن الاستقامة هي - بحد ذاتها- عامل من عوامل النجاح.

وللأسف فإننا نرى أن نشاطات البعض موسمية تتحكم فيها الأهواء، والأمزجة؛ فهم لا يعملون إلاّ عندما تهوى أنفسهم العمل، ويتوقّفون عندما لا يستسيغون التحرك.. ولا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في حياتهم، لأن الحياة ذات أجزاء متّصلة مع بعضها البعض كالصلاة التي لا يمكن أن تكون صحيحة ومقبولة إذا انعدم جزء منها.

ولأجل أن يستقيم المؤمنون على الطريق السوي والمنهج المرضي، يقول ربنا عز وجل: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ((هود/113) .

وهكذا يجب على الإنسان المؤمن أن يجعل هذه الآية نصب عينيه وخصوصًا في ظروف المصاعب والمحن، وإذا أقبلت عليه الفتن كقطع الليل المظلم، وتوالت عليه الضغوط من كل مكان، وشعر بالضعف، فعليه في هذه الحالة أن لا يستسلم لهذا الضغط أو يركن الى اليمين أو الشمال، بل عليه أن يصمد ويركن الى الله سبحانه وتعالى فالضغوط الشديدة، والمصاعب الأليمة تجعل الإنسان بين طريقين؛ بين أن يركن الى الله جل جلاله، والى قوّته وحصنه الحصين، وبين أن يركن الى الذين ظلموا، وحينئذ سوف لا ينصره الله، ويكله إليهم.

الصلاة زاد روحي

ومن طبيعة الإنسان أنه يغفل، ويصيبه التعب، فهو بحاجة الى زاد روحي، يجده في الصلاة؛ فعليه - اذن- أن يكثر من إقامتها، ويُحبِّبها الى نفسه كما يقول عز من قائل: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ((هود/114) .

فعندما يكون الإنسان في حرج، سواء فيما يتعلّق بالحياة الدنيا أم الآخرة، فانّ الصلاة تكون عامل تفريج لهمّه وغمّه ولذلك فانّ عليه أن يقوّي علاقته بالصلاة، ولا يجعلها مجرّد علاقة ضعيفة. فمن المستحيل على الشيطان أن يخدع الإنسان المرتبط بالصلاة برابطة قوية متينة، لأنه يلجأ إليها كلّما حاول الشيطان إغواءه، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَاسْتَعِينُوْا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ((البقرة/45) .

وأداء الصلاة والمواظبة عليها ليست أمانًا للمؤمن من عذاب الآخرة، ومؤنسة له في القبر، ومنقذة له من هول المطلع، ومن ظلمة القبر فحسب، بل إن المؤمنين يلجؤون إليها كلّما أشكلت عليهم مسألة شرعية فتنفرج أساريرهم وجميع قضاياهم المعقّدة. فعلى الإنسان المؤمن أن يرتبط إرتباطًا قويًا بالصلاة، وأن يواظب على أدائها في أوقاتها. فالصلاة تمثل حالة روحيّة تشعر الإنسان بقيمة الارتباط مع الخالق، وتسهّل عليه كثيرًا من المشاكل النفسية والروحية.

عدم استعجال النتائج

والانسان ينتظر نتيجة ما يعمله بعد إنتهاء العمل مباشرة، ولكنّ القرآن يأمره بالصبر: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ((هود/115) موضحًا له أن ثمار العمل بحاجة الى وقت، وإنّ عليه أن يستغلّ هذا الوقت في أداء الحسنات ويبادر الى عمل الصالحات ليرى نتيجة عمله في المستقبل دون تعجّل للأمور.

على الرغم من إن الجنة غاية كل مؤمن، غير أنه لا يدخلها طمعًا بملكها والخلود فيها، رغم أن الله تعالى سيمنحه ذلك؛ بل سيدخل الجنة بقلب طاهر نقي، خال من كل شائبة.. كما يقول ربنا عز وجل: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ((الحجر/47)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت