وإن هذا لموقف عظيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وقف وهو في قلة من أنصاره يتحدى زعماء قريش وهم في عزهم وغناهم ومكانتهم العالية في العرب , وقد بين صلابته في التمسك بهذا الدين ودعوة الناس إليه مهما تكن الظروف , ومهما وُضع في طريقه من عقبات , وأنه على استعداد كامل لأن يقدِّم نفسه رخيصة في سبيل هذا الدين , فضرب بذلك المثل العالي لأمته والقدوةَ الكاملة للدعاة إلى الله تعالى في تسخير نفسه بكل طاقاتها لخدمة دعوته ولو أدى ذلك إلى هلاكها.
فليسر على دربه المؤمنون المتقون في بذل الجهد في الدعوة وتحمل كل مايواجههم من صعوبات ونكبات فإن لهم فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .
هذا وإن تلك الدموع الغالية التي تحدرت من عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين لنا خطورة الموقف وصعوبة الأمر عليه , حيث كان بين أمرين كل واحد منهما شاق على نفسه , لكن إيقاع عمه في الحرج أهون عليه كثيرًا من التنازل عن دعوته , بل لامقارنة بين الأمرين لأن أحدهما صعب والآخر مستحيل .
وإنه من أجل الخروج من هذا المأزق وإصدار القرار السامي الذي لاخيار له فيه فإنه لابد لصاحب النفس الكريمة التي بلغت نهاية الكمال البشري في السمو الأخلاقي أن يعبر عن أساه واسفه لصاحب المعروف الكبير عليه أن أوقعه في حرج كبير وأدخله في معركة حامية مع قومه, في الوقت الذي كان يتوسل إليه أن لايوقعه في ذلك , فكانت الدموع الزكية أبلغ تعبير عن ذلك الأسى والأسف .
إن دموع فحول الرجال الأشداء غالية , وتكون أشد غلاء حينما تنحدر من عيني من بلغ الكمال في كل معاني الرجولة , وإن غلاء تلك الدموع ليصور لنا جسامة المسؤولية التي تحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهان من أجلها بكل ما تعارف عليه البشر من الأخلاق والأعمال التي تتعارض معها .
( [1] ) أي شق ذلك عليهم .
( [2] ) أي لايزيل عتبهم بالرجوع عما أنكروه .
( [3] ) أي ظهر له فيه رأي جديد .
( [4] ) السيرة النبوية لابن هشام 1/261 - 264 .
( [5] ) التاريخ الكبير 7/51 رقم 230 , المستدرك 3/577, دلائل النبوة للبيهقي,2/186 - 187,مجمع الزوائد 6/14.
( [6] ) المطالب العالية 4/192 رقم 4278 .
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 16 / ص 37)