فهرس الكتاب

الصفحة 1219 من 1236

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

نحن في حاجة اليوم إلى فقه الثبات على دين الله - تعالى - أكثر من أي مدة مضت، أفواج المنحدرين قد كثرت، ومزامير الشياطين قد علت، والأطباق في كثير من البيوت قد تمكنت.

ما هي أوضاع المسلمين اليوم؟ وما أنواع الفتن والمغريات التي بنارها يكتوون؟ وأصناف الشهوات والشبهات التي بسببها أضحى الدين غريبًا؟ فنال المتمسكون به مثلًا عجيبًا (القابض على دينه كالقابض على الجمر) .

ولا شك عند كل ذي لب أن حاجةَ المسلمِ اليومَ لفقه الثبات أعظمُ من حاجة أخيه أيام السلف، والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر من أي وقت مضى؛ وما ذاك إلا لفساد الزمان، وندرة الإخوان، وضعف المعين، وكيد الفاجر مع قلة الناصر، ولقد كثرت حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاسات إلى الوراء، والانحدار إلى الفساد؛ مما يَحمِل المسلمَ على الخوف من أمثال تلك المصائر، وعلى تلمس أمورٍ يتحصن بها.

ولقد عشنا سنين متطاولةً في هذه البلاد المباركة، ونحن في معزل عن كثير من الفتن، وكان يتقاطر علينا الفساد من بعض الجوانب، ولكنه انهمر اليوم، يمطر بيوتًا كثيرة بوابله المشين، حتى تغيرت بيوتٌ، وانتكست فطرٌ؛ فساء مطر المنذرين.

وألفتِ الفتنُ أمةً لم تتحصن كثيرًا بالثبات وفقهه.

وألفتِ الفتنُ بعضًا من القوم لم يتركوا الفساد رغبة مجردة فيما عند الله، وإنما لأنه لم يتوافر لهم، فلما كان الخيار لهم بين طريقين واضحين متاحين، إذا هم لا يمتنعون من الانزلاق، ولا يردون يد لامس، بل يستبيحون محارم الله بأدنى الحيل.

نعم أحبتي... حُذِّرنا من هذه الفتن، وبُينَّت لنا حرمتها، ولم تزدد إلا سوءً، ومع ذلك كثير من الناس ثبتوا زمنًا، ثم استباحوا محارم الله بالأهواء والحيل، فلم يكن البعض في سبيل الثبات بأقوياء، ولا في سبيل الأمانة على الأهل والذريات بأوفياء.

ومن رحمة الله - عز وجل - بنا أن بين لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي سيرته - صلى الله عليه وسلم - وسائلَ كثيرةً للثبات، يلجأ إليه المسلم في مثل هذا الزمان، ويستعين بها حتى يلقى الرحمن، ومن أبرزها أثرًا، وأكثرها نفعًا لدين المرء ما يحصل له من الأثر الجميل إذا أقبل على كتاب الله - تعالى - فالقرآن هو وسيلة الثبات الأولى، وهو حبل الله المتين والنور المبين، من تمسك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، ولقد نص الله على أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا الكتاب منجمًا مفصلًا هي التثبيت، فقال - تعالى - في معرض الرد على شُبه الكفار:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا" (الفرقان: 32، 33) ، لقد كان القرآن مصدرًا للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله، ولأن تلك الآيات تتنزل بردًا وسلامًا على قلب المؤمن فلا تعصف به رياح الفتنة، ويطمئن قلبه بذكر الله، ولأن القرآن يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يُقوِّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تهيئُ له الحكم على الأمور فلا يضطرب حكمه، ولا تتناقض أقوله باختلاف الأحداث والأشخاص.

ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا عليه تلاوة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، ومنه ينطلقون وإليه يفيؤون، وبين من جعلوا كلام البشر جل همهم وشغلهم الشاغل، ويا ليت الذين يطلبون العلم يجعلون للقرآن وتفسيره نصيبًا كبيرًا من طلبهم، فوالله سيجدون أثره صلاحًا في أعمالهم وثباتًا في قلوبهم.

ومن وسائل الثبات على دين الله ما يحصل للمرء من التزام شرع الله، والعمل الصالح، فمن يلتزم شرع الله يثبته الله، يقول المولى جل وعز في كتابه:"يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" (إبراهيم: 27) ، قال قتادة:"أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر"، وكذا روي عن غير واحد من السلف، وقال - سبحانه:"وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا" (النساء: من الآية66) ، أي: تثبيتًا على الحق، والصراط المستقيم في وقت الفتن، وهذا بيّن ظاهر البيان، وإلا فهل نتوقع ثباتًا على الدين من الكسالى القاعدين عن صلاة الفجر، وعن الأعمال الصالحة، إن هؤلاء هم المسارعون في الفتن إذا ادلهمت، وهم حطبها إذا اتقدت، ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم صراطًا مستقيماُ، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملًا أثبتوه، وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت