فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 1236

ومن صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم، ويذكرون الله كثيرًا وهذان الأمران (الدعاء، وذكر الله) من الوسائل العظيمة في ثبات المسلم، ولقد حكى لنا القرآن دعاء المؤمنين مغريًا بالاقتداء بهم أنهم يقولون:"رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا" (آل عمران: من الآية8) ،"رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا" (البقرة: من الآية250) .

ولما كانت (قلوب بني آدم كلُّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"رواه الترمذي عن أنس وصححه الألباني.

وتأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله - عز وجل:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" (الأنفال: من الآية45) فجعل ذكر الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.

وهل ثبت يوسف - عليه السلام - في محنته أمام امرأة ذات منصبٍ، وجمالٍ إلا بالذكر والدعاء"قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" (يوسف: من الآية23) ، وهذه استعاذة وذكر، وقال - عليه السلام:"قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (يوسف: 33) وهذا دعاء، قال - تعالى:"فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (يوسف: 34) ، لقد تكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه، وهو الذكر والدعاء، وكذا تكون فاعلية الأدعية والأذكار في تثبيت قلوب المؤمنين.

ومن أعظم وسائل الثبات، أن يتلقى المسلمُ تربية إيمانية وعلمية واعية، وهل كان مصدر ثبات صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة إلا بهذه التربية الواعية؟ كيف ثبت بلال، وخباب، ومصعب، وآل ياسر، وغيرُهم من المستضعفين؟ وحتى كبارُ الصحابة في حصار الشعب وغيره؟ وهل يمكن أن يكون ثباتهم بغير تربية عميقة من مشكاة النبوة، صقلت شخصياتهم، لا شك أن هنالك تربية عميقة من لدن رسول الهدى محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وبعض الناس يشعره الشيطان بأنه يسبح ضد التيار، وأن الناس كلَّهم هكذا، ولا بد من الاندماج في المجتمع، ومواكبة العصر، وغير ذلك من الحجج التي لا تعارض بينها وبين الثبات، ولكن الأفهام تختلف، ولهؤلاء نقول: إن الصراط المستقيم الذي تسلكه - يا أخي - ليس جديدًا، ولا وليد قرنك وزمانك، وإنما هو طريق عتيق قد سار فيه من قبلِك الأنبياءُ، والصديقونُ، والعلماء، والشهداء، والصالحون، فإذا عرفت ذلك فهل تشعر بالغربة مع هؤلاء، وهل تستوحش في طريق سلكه الأنبياء، فيا أخي أزل غربتك، وبدل وحشتك، وما يضرك من فساد زمانك إذا وثقت بطريقك أنها موصله، وأنها صراط الذين أنعم الله عليهم، وهؤلاء كلهم أخوة لك في الطريق والمنهج، فقرَّ عينًا وطب نفسًا، فو الله إن قلة السالكين معك اليوم يدل على اصطفائك لا على أخطائك، واللهُ كما يصطفي أنبياءه، يصطفي أولياءه، فبدل شعورك بالغربة شعورًا بالاصطفاء، قال الله - عز وجل:"الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى" (النمل: من الآية59) ، وقال:"ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا" (فاطر: من الآية32) ، ماذا يكون شعورك لو أن الله خلقك جمادًا، أو دابة، أو كافرًا ملحدًا، أو داعيًا إلى بدعة، أو فاسقًا، أو مسلمًا غير معتز بإسلامه، أو غير ذلك؟ ماذا لو خلقك الله من هؤلاء، ألا تشعر بالاصطفاء إذ لم تكن منهم؟ ألا ترى أن شعورك باصطفاء الله لك يزيل عنك كثيرًا من الغربة، ويزيدك ثباتًا على منهجك وطريقك؟ بلى هو كذلك.

النفس إن لم تتحرك تأسن، وإن لم تنطلق تتعفن، ومن أعظم مجالات انطلاق النفس: الدعوة إلى الله، فهي وظيفة الرسل، ومجال إبراز الطاقات، وإنجاز المهمات، والدعوة بالإضافة لما فيها من الأجر العظيم هي وسيلة من وسائل الثبات، والحماية من التراجع والتقهقر؛ لأن الذي يُهاجِم لا يحتاج للدفاع، وكلنا يستطيع ذلك وليست الدعوة مقصورة على العلماء بل هي عمل الجميع وهمهم فاحرص عليها فإنه لا أحسن منها"وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا" (فصلت: من الآية33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت