عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأَهْلِهِ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ:"أَبْشِرُوا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ" (1)
و عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ: كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ أَهْلَ بَيْتِ إِسْلامٍ ، وَكَانَ بَنُو مَخْزُومٍ يُعَذِّبُونَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ (2)
و عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ قَالَ دَعَا عُثْمَانُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ إِنِّى سَائِلُكُمْ وَإِنِّى أُحِبُّ أَنْ تَصْدُقُونِى نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ وَيُؤْثِرُ بَنِى هَاشِمٍ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ. فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ عُثْمَانُ لَوْ أَنَّ بِيَدِى مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ لأَعْطَيْتُهَا بَنِى أُمَيَّةَ حَتَّى يَدْخُلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. فَبَعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَقَالَ عُثْمَانُ أَلاَ أُحَدِّثُكُمَا عَنْهُ - يَعْنِى عَمَّارًا - أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- آخِذًا بِيَدِى نَتَمَشَّى فِى الْبَطْحَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَعَلَيْهِ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ أَبُو عَمَّارٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ الدَّهْرَ هَكَذَا فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « اصْبِرْ » . ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لآلِ يَاسِرٍ وَقَدْ فَعَلْتَ » . (3)
سمية أم عمّار أول شهيد في الإِسلام
عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ:"أَوَّلُ شَهِيدٍ اسْتُشْهِدَ فِي الْإِسْلَامِ أُمُّ عَمَّارٍ , طَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ بِحَرْبَةٍ فِي قُبُلِهَا" (4)
إشتداد الأذى على عمَّار حتى أكره على قول الكفر وقلبه مطمئن بالإِيمان
عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى نَالَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا وَرَاءَكَ ؟"، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ:"فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟"، قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ، قَالَ:"فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ" (5)
(1) - المعجم الأوسط للطبراني برقم (1566) حديث صحيح
(2) - المستدرك للحاكم برقم (5644) والإصابة في معرفة الصحابة - (ج 3 / ص 253) صحيح لغيره
(3) - مسند أحمد برقم (447) فيه انقطاع
وفي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث - (ج 1 / ص 221)
لم يكن في وسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم شيئًا لآل ياسر، رموز الفداء والتضحية، فليسوا بأرقاء حتى يشتريهم ويعتقهم، وليست لديه القوة ليستخلصهم من الأذى والعذاب، فكل ما يستطيعه صلى الله عليه وسلم أن يزف لهم البشرى بالمغفرة والجنة، ويحثهم على الصبر، لتصبح هذه الأسرة المباركة قدوة للأجيال المتلاحقة، ويشهد الموكب المستمر على مدار التاريخ هذه الظاهرة «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» .
أما عمار - رضي الله عنه - فقد عاش بعد أهله زمنًا يكابد من صنوف العذاب ألوانًا، فهو يصنف في طائفة المستضعفين الذين لا عشائر لهم بمكة تحميهم، وليست لهم منعة ولا قوة، فكانت قريش تعذبهم في الرمضاء بمكة أنصاف النهار، ليرجعوا عن دينهم، وكان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول ، ولما أخذه المشركون ليعذبوه لم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما وراءك؟» قال: شر، والله ما تركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: «فإن عادوا فعد» ، ونزل الوحي بشهادة الله تعالى على صدق إيمان عمار، قال تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [النحل: 106] وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي حادثتي بلال وعمار فقه عظيم يتراوح بين العزيمة والرخصة، يحتاج من الدعاة أن يستوعبوه، ويضعوه في إطاره الصحيح، وفي معاييره الدقيقة دون إفراط أوتفريط.
(4) - ابن أبي شيبة برقم ( 35119 ) صحيح مرسل
(5) - ابن سعد برقم (3426 ) صحيح لغيره