فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 1236

إن الاستقامة أمر في غاية الصعوبة، لأنها بحاجة الى أرضية مسبقة ومخزون تربوي وروحي هائلين. فالإنسان في طفولته بحاجة الى الاستقامة في مواجهة اللعب، وحينما يكبر ويكون مراهقًا تكون إستقامته ضد الشهوات والجنس وتوافه الأمور، وحينما يكون رجلًا لابد له من الاستقامة في الكسب حيث يواجه الربا والغش في التجارة، ويكبر قليلًا فتكون إستقامته على ألا تتناوشه الخطوط السياسية أو الفكرية المنحرفة، وإذا أصبح في سن الخامسة والثلاثين مثلًا واستقرت حالته المعاشية لابد له من الاستقامة لئلاّ يلهيه التكاثر بالأموال والأولاد... وهذه الاستقامة مطلوبة منه حتى آخر لحظة من لحظات حياته، حيث يكون وجوده ساحة للصراع بين الشيطان والأجل.. وقد رأينا أو سمعنا أن هناك من يتقبّل التلفّظ بالشهادتين وهو في حالة الإحتضار، وهناك من يتنكَّر للشهادتين ليستبدل بها أشعار الغزل والهراء وهو يسلِّم روحه لملك الموت!!

إن القسم الأكبر من الناس يرون بأن الجنة ليست في مستوى التضحية، ويتخيلون بأن الجنّة لو جاءت بصورة عفوية فبها، وإلاّ فلا... ويغفلون أو يتغافلون عن أن لدخول جنان الخلد ثمن، وهو الاستقامة والصبر على فتن الدنيا وعلى مكارهها ومصاعبها ومصائبها.

وها هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول مؤكدًا في إحدى خطبه:"هيهات! لا يُخْدَعُ الله عن جنّته". (1) أما الإمام السجاد عليه السلام فيقول في كلمة جميلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته (الوسيلة) قال:"ما شرٌ بشرٍّ بعده الجنة، وما خيرٌ بخيرٍ بعده النار". (2) وجاء في الحديث الشريف:"لو أُدخل إنسان الى الجنة لحظةً واحدة، ثم أُخرج وسئل هل رأى شرًا؟ لقال كلا"، بمعنى إنصهار المشاكل والأذى في مقابل الجنة.

وهناك آيات كثيرة تشير الى هذا المعنى، من قبيل قوله سبحانه وتعالى: ( لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(.(يونس/62) فمن دخل الجنة لن يخشى النار ولن يخاف الإهانة أو الذل، وهو لا يحزن على ما دفعه في سبيل الله في الدنيا.

وكذلك قوله سبحانه وتعالى على لسان مؤمن آل يس الذي أنذر قومه فعذّبوه أشد ما يكون العذاب، ثم ذبحوه من الوريد الى الوريد، ثم حرقوا جسده ونشروا رماده في البحر لكي لا يبقى له أثر ولا قبر، ولكنه حينما دخل الجنة رأى ثمن الصبر والاستقامة والإيمان: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ((يس/26-27)

وأيضًا قوله عز من قائل: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ(.(الحشر/20) فالجنة تفوق كل شيء وبصورة مطلقة، لأنها فيها رضوان الله، وفيها الخلود، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولأن الطرف الآخر هو النار؛ النار التي تترجم ارتكاب المعاصي والموبقات، كما تترجم غضب خالقها.

إن ما نستفيده من الآية المباركة القائلة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(. إن الذي يستقم لفترة من الوقت مخلصًا عمله لوجه الله تعالى، سيأخذ الله بيده ولن يتركه ليسقط وينهار، بل سينزل عليه الملائكة لترفده بالسكينة والاطمئنان، وتفتح أمام عينيه الأفق الواسع نحو السعادة وقطف ثمار الاستقامة والإخلاص..

إذن؛ فالاستقامة قد لا تكون إلى الأبد، فإنك قد تستقيم ولكنك تصل الى درجة حيث تتنزّل الملائكة عليك. وإنَّ كثيرًا من إخواننا الذين كانوا في سجون الطواغيت ووصلوا الى حافة الإنهيار تنزّلت عليهم الملائكة بمختلف الأشكال، فقسم منهم كان يرى في يقظته أو منامه وليًا من أولياء الله الصالحين يبشّره أو يطمئنه بأنه على مقربة من الجنة، فيعود إليهم إصرارهم على المقاومة والصمود.

إن الضعف الكبير الذي قد يصيب هذا الإنسان أو ذاك عندما يريد تحقيق فعل شيء تراه يحلم ويتمنى، فيغفل عن التخطيط ومواجهة الواقع بشكل منطقي، وإن كثيرًا من الذين سقطوا ويسقطون في حبائل الشيطان إنما بسبب أنهم (وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ(.(البقرة/78) فهم يحلمون ويتمنون، ولا يخلقون واقعهم للوصول الى ما يهدفون.

فإذا أردت أن تبني بيتًا - مثلًا - فإنه لا يكفيك أن تحلم بالاقتراض من هذا أو ذاك، فإنك إذا واجهت الواقع سوف تجد أنك لا تملك شيئًا لبناء هذا البيت المزعوم... وهكذا هي الجنة، لا يمكن الحصول عليها بالتمنّي والتظنّي، بل يسمح بالدخول فيها عبر العمل والتخطيط والاستقامة. يقول تبارك وتعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ ((التوبة/46) أي إن من يريد الحرب عليه أن يهيء نفسه لها عبر توفير المال والسلاح وسائر الوسائل الأخرى، ولكن المتورط والغارق في أحلامه فإنه ليس بوسعه إلاّ النوم والحلم واليقظة وتكرار ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت