فهرس الكتاب

الصفحة 1222 من 1236

وأعجب من ذلك أن يكون المال سببًا في الانتكاس الكلي وهو الردة، فقد ثبت عند الإمام مسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أرسل عمر رضي الله عنه لجمع الزكاة فذهب إلى ابن جميل وكان فقيرًا فأغناه الله فطلب عمر منه الزكاة فمنع ولم يعترف بها قال - تعالى:"ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" {التوبة: 55-57}

فاحذر أخي المسلم من هذا المرض الذي أصاب كثيرًا من أبناء الأمة، أما تخشى أن يصيبك قول الله: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه.

لقد ضرب صحابة رسول الله أروع الأمثلة في الثبات فنالوا بذلك الدرجات العلا، فها هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو حبسه أبوه وقيده بالسلاسل وعذبه وهو حديث عهد بالإسلام لكنه ثبت، بل استطاع أن يفك بعض السلاسل وذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية وكان من شروط صلح الحديبية أنه من جاء مسلمًا من قريش ردوه إليها فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع أبو جندل ولم ينتكس بل ثبت على إيمانه حتى لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيرًا وترك كل ماله لأنه عرف الحق فاتبعه.

واعلم أخي أن الانتكاس سبب لسوء الخاتمة، وأهل الباطل يقفون لأهل الحق على طول الطريق يريدون أن ينالوا منهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلا تنخدع بالشعارات الكاذبة فإنها أوهام، واسأل الله الثبات فقدوتك في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يكثر من قول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، وأكْثِر من الدعاء فهو سلاح المؤمن، وعليك بالعلم فهو الحصن الحصين من البدع وكلما ازددت علمًا فازْدَدْ للهِ خشيةً وخوفًا.

قال - تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء" {فاطر: 28} .

والحمد لله رب العالمين.

الشيخ محمد العريفي

من الناس.. من يشتاق إلى الهداية.. ولكن يمنعه منها بغضه لبعض الصالحين.. أو مواقف وقعت له معهم.. فحمل في نفسه عليهم.

أو تجده يعلق صلاحه واستقامته بأشخاص يعينونه على الدين.. فإذا فسدت أحوالهم.. أو فرق الدهر بينهم.. انتكس عن الدين.. وعصى رب العالمين.

وهذا حال أولئك المرتدين.. الذين علقوا إسلامهم بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فما داموا يخالطونه.. ويحدثهم ويساكنونه.. فهم ثابتون على الدين.. بل قُوّام في الأسحار.. صُوّام في النهار..

ولكن ما إن فارق سواده سوادهم.. حتى ارتدوا على أدبارهم.. وكفروا بعد إسلامهم..

حتى قال لهم أبو بكر - رضي الله عنه: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات.. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

نعم.. الله حي لا يموت.. يسمع دعاء الداعين.. ويقبل توبة التائبين..

من لجأ إليه كفاه.. ومن فرَّ إليه قربه وأدناه..

إن ذكره العبد في نفسه ذكره في نفسه.. وإن ذكره في ملأ ذكره في ملأٍ خير منهم..

من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا.. ومن تقرب إليه ذراعًا.. تقرب إليه باعًا..

ومن استقر في قلبه الإيمان.. ثبت على عبادة الرحمن.. وإن اشتد البلاء..

وانتقل معي إن شئت إلى هناك.. انتقل إلى هناك..

وادخل إلى المدينة..

وانظر إلى النبي - عليه السلام -.. وقد جلس مع أصحابه الكرام..

فحدثهم عن البيتِ الحرام.. وفضلِ العمرة والإحرام..

فطارت أفئدتهم شوقًا إلى ذاك المقام..

فأمرهم بالتجهز للرحيل إليه.. وحثهم على التسابق عليه..

فما لبثوا أن تجهزوا.. وحملوا سلاحهم وتحرزوا..

فخرج - صلى الله عليه وسلم - مع ألف وأربعمائة من أصحابه.. مهلين بالعمرة ملبين.. يتسابقون إلى البلد الأمين..

فلما اقتربوا من جبال مكة..

بركت القصواء - ناقة النبي - عليه السلام -.. فحاول أن يبعثها لتسير.. فأبت عليه..

فقال الناس: خلأت القصواء.. (أي عصت) فقال - عليه السلام: ما خلأت القصواء.. وما ذاك لها بخلق.. ولكن حبسها حابس الفيل (يعني فيل أبرهة لما أقبل به مع جيش من اليمن يريد هدم الكعبة فحبسهم الله عن ذلك) ..

ثم قال - عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله.. إلا أعطيتهم إياها..

ثم زجرها فوثبت.. فتوجه إلى مكة.. حتى نزل بالحديبية قريبًا من مكة.. فتسامع به كفار قريش.. فخرج إليه كبارهم ليردوه عن مكة.. فأبى إلا أن يدخلها معتمرًا..

فما زالت البعوث بينه وبين قريش.. حتى أقبل عليه سهيل بن عمرو..

فصالح النبي - عليه الصلاة والسلام - على أن يعودوا إلى المدينة.. ويعتمروا في العام القادم..

ثم كتبوا بينهم صلحًا عامًا.. وفيه:

اشترط سهيل: أنه لا يخرج من مكة مسلم مستضعف يريد المدينة.. إلا رُدَّ إلى مكة.. أما من خرج من المدينة وجاء إلى مكة مرتدًا إلى الكفر.. فيُقبل في مكة..

فقال المسلمون: سبحان الله!! من جاءنا مسلمًا نرده إلى الكافرين!! كيف نرده إلى المشركين وقد جاء مسلمًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت