وفي ضوء ذلك نستطيع فهم حديث خباب - رضي الله عنه - قال: (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: [قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون] (رواه البخاري برقم 3612) .
إن خبابًا - رضي الله عنه - كان واحدًا من الطليعة التي عذبت في الله، وفي البخاري أنه كان اكتوى سبعًا في بطنه. فهو يشكو من مرراة البلاء، ولكن المربي الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان واضحًا لديه أن الأمة لم تستكمل عملية الإعداد له، وأنه ما زالت اختبارات على المؤمنين أن يمروا بها. ثم طمأنه إلى النتيجة وهي تمام ذلك الأمر الذي هو قيام الإسلام، بعد أن هون عليه من مصابه إذا قيس بما ذكره النبي الكريم عن مصاب الدعاة في الأمم السابقة.
أما الإعراض عن المشركين في قوله - تعالى: (فاصْدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين) (الحجر: 94) .
قال الأستاذ / منير الغضبان: إن الإعراض عن المشركين يعني فكرتين في وقت واحد.
الفكرة الأولى: المسيرة بالدعوة من الداعية وإيضاح معالمها غير عابئ بغضب خصومها أو مشاعرهم أو آرائهم.
الفكرة الثانية: عدم مواجهة أذاهم المادي والمعنوي ومحاولاتهم تجريحه والنيل منه والهزء به، ممثلًا في قوله - عز وجل: (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (القصص: 55) .
(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا) (الفرقان: 63) .
إنه لا ينبغي إغفال عامل الزمن في أي عملية تربوية، يضاف إلى ذلك مقدار التجارب المطروحة على مسرح الأحداث، ونوعية هذه التجارب.
المراجع:
1-وقفات تربوية مع السيرة النبوية. (الشيخ أحمد فريد)
2-السيرة النبوية (صالح أحمد الشامي)
(شكوى قريش لأبي طالب الأولى)
د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي.
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًّا في بداية بعثته إلى أن اجتمع حوله عدد من أصحابه فأمره الله - تعالى - بأن يجهر بالدعوة (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94) .
وأمره بأن يبدأ بإنذار أقاربه (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214) فأنذر وبشر وجمع بين الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى عبادة الله وحده والتخلق بمكارم الأخلاق، والدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام التي هي أعظم المنكر وكذلك التخلي عن مساويء الأخلاق. فلما عاب أصنام المشركين وسفه أحلامهم بعبادتها عرفوا أنه لن يَبْقَى على ما هو عليه من دينه ويتركهم على ما هم عليه من المنكر فناصبوه العداء وحاولوا تفريق المؤمنين بدعوته بكل ماأوتوا من قوة وحيلة. ولما رأوا صلابة إيمان أتباعه وأن أمره صار ينتشر بين جميع طبقات المجتمع بسرعة وقوة حاولوا التأثير عليه ليترك دعوته أو يغير من أسلوبها في النكير عليهم وتسفيه أحلامهم..حاولوا ذلك بالترغيب أحيانًا وبالترهيب أحيانًا أخرى ولكن حال دون وصولهم إلى أغراضهم صلابته في إيمانه وعطف عمه أبي طالب عليه ودفاعه عنه وتهديده لقريش إن وصلوا إليه بالأذى.
فلما رأى كفار قريش أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لن يهون أمام تهديداتهم ولن يلين أمام إغراءاتهم وأن عمه أبا طالب قد قام دونه وحماه، وأن أتباعه يتمسكون بدعوته بقوة ويزيد عددهم بسرعة ذهب بعض أشرافهم إلى عمه أبي طالب لبيان أمره والشكوى منه.قال محمد بن إسحاق - رحمه الله: فلما بادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلمافعل ذلك أعظموه ( [1] ) وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله - تعالى -منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون.