لم يكن تغيير الواقع الجاهلي وتحويله إلى واقع مسلم بالأمر اليسير، إنه يحتاج إلى الجهد الكبير، والإرادة القوية.
وهذا الجهد لا يمكن المضي في بذله إلا إذا تدربت إرادة صاحبه على التحمل، وعلى الصبر فهو العدة دائمًا في بلوغ الأهداف الكبيرة.
والصبر ليس موعظة تستمع، أو درسًا يحفظ، إنه مواقف تختبر بها صلابة الإرادة، وقوة تحملها في الميادين المختلفة.
ولذلك كان التدريب عليه يحتاج إلى فترة من الزمن، ينتقل الإنسان فيه من موقف إلى آخر أشد منه وهكذا...
وهذا ما يفسر لنا تأكيد القرآن المكي على الأمر بالتزام الصبر في وقت مبكر:"ذلك أن الله - سبحانه - يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع، الذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات.. لا بد من الصبر في هذا كله، لا بد من الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على جهاد المشاقين لله، والصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بعد الشقة، والصبر على انتفاش الباطل، والصبر على قلة الناصر، والصبر على طول الطريق الشائك، والصبر على التواء النفوس، وضلال القلوب، وثقلة العناد، ومضاضة الإعراض.."
(ولقد استُهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ماكانوا به يستهزءون)
إنه طريق النبوات ولا بد من النصر.
وإذا كان الاستهزاء لم يعرقل سير الدعوة، فقد لجأ الكفر إلى اتخاذ وسائل أخرى تعتمد على التأثير النفسي من الوصف بالسحر والجنون والشعر.. وكانت الآيات الكريمة تنزل لتسليته - صلى الله عليه وسلم -، ودعوته إلى الصبر على ما يقولون.. ولكثرة هذه الأقوال وتداولها بين الكافرين... تكرر التذكير بالصبر على ذلك مرة بعد مرة:
(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك.. ) (ق: 39)
(اصبر على ما يقولون واذكُر عبدنا داوُد.. ) (ص: 17)
(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك.. ) (طه: 130) .
وكلما طالت المعركة مع الكفر نزلت الآيات لتطمئن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين أنهم على الحق، وأن عليهم الصبر على متابعة الطريق..
(واتبع ما يُوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين... ) (يونس: 109)
(فاصبر إن العاقبة للمتقين) (هود: 49) .
(فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نَعِدهُم أو نَتوفينك فإلينا يرجعون) غافر: 77.
(واصبر لحكم ربك فإنك بأعيُننا) (الطور: 48) .
(فاصبر إن وعد الله حقٌّ ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) (الروم: 60) .
وآيات.. وآيات تحث المؤمنين على الصبر، وتجعله صفة لازمة لهم ينالون عليها الأجر عند الله - تعالى -. ففي سورة الفرقان بعد وصف عباد الرحمن: (أُولئك يُجزون الغُرفة بما صبروا ويُلقّون فيها تحية وسلامًا) (الفرقان: 75) وفي سورة العصر (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر: 3. وفي سورة البلد (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) البلد: 17.
وفي سورة الزمر: (إنما يُوفيّ الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: 10) .
لقد امتد نزول آيات الصبر على طول الفترة المكية يقود خطوات المؤمنين خطوة بعد خطوة، فتدربوا على تحمل المشاق وتحمل الأذى، وضبط الإرادة، وألا تكون تصرفاتهم ردود فعل، كما تدربوا على الالتزام بما يرد عن الله - تعالى -... والانضباط مع أوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي ضوء ما سبق تظهر حكمة من حكم منع القتال في مكة"إنه كان يراد تطويع نفوس المؤمنين من العرب للصبر امتثالًا للأمر، وخضوعًا للقيادة، وانتظارًا للإذن، وقد كانوا في الجاهلية شديدي الحماسة، يستجيبون لأول ناعق، ولا يصبرون على الضيم.. وبناء الأمة المسلمة التي تنهض بالدور العظيم الذي نيطت به هذه الأمة يقتضي ضبط هذه الصفات النفسية، وتطويعها للقيادة التي تقدر، وتدبر، وتطاع فيما تقدر وتدبر، حتى لو كانت هذه الطاعة على حساب الأعصاب التي تعودت الاندفاع والحماسة، والخفة للهيجاء عند أول داع.. من ثم استطاع رجال من طراز عمر بن الخطاب في حميته، وحمزة بن عبد المطلب في فتوته، وأمثالهما من أشداء المؤمنين الأوائل، أن يصبروا للضيم يصيب الفئة المسلمة، وأن يربطوا على أعصابهم في انتظار أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يخضعوا لأمر القيادة العليا وهي تقول لهم: (كُفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (النساء: 77) ... ومن ثم وقع التوازن في هذه النفوس التي كانت تعد لأمر عظيم."
ولما كانت القضية قضية تربية وإعداد فإن المربي هو الذي يستطيع تقدير مقياس النجاح، وإلى أي مستوى وصل تلاميذه.