د. حمدي شعيب
(( رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ
وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )) [إبراهيم: 37]
من خلال هذه اللمحة القرآنية التاريخية يرنو المسلم بفكره، ويتذكر تاريخ تلك العائلة المباركة، ويسمع الخليل إبراهيم - عليه السلام - وهو يتجه إلى ربه معلنًا أنه قد أسكن بعض أهله بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها، وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون من أجلها هذه المشقة، ثم دعا الحق - سبحانه - أن يرقق قلوب البشر، ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان الخير مع هؤلاء القادمين؛ ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين.
وهو مرتكز دعوى يوضح أهمية استشعار عمق جذور هذه الدعوة وبعدها التاريخي السحيق، ومعنى أن المسلم يردد في صلواته الخمس، ويؤكد على هذه الصلة القوية بين حلقات الدعوة: (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (1) .
ويفخر المسلم بأنه حلقة في سلسلة الخير؛ وذلك عندما يطّلع على ما ورد في معنى"آل محمد"، (قيل: هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وبني عبد المطلب، وقيل: هم ذريته وأزواجه، وقيل: هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة، وقيل: هم المتقون من أمته) (2) .
علامة النضج:
تنمية روح الارتباط بالفكرة: عندما نستمر في قراءة التاريخ، من خلال سيرة تلك العائلة المباركة، ونتذكر كيف أن إبراهيم - عليه السلام - امتثل لأمر الله - عز وجل - ووحيه، وأخذ وحيده إسماعيل - عليه السلام - وزوجته هاجر وذهب بهما إلى مكة، (وكانت مكة يومئذ لا نبت فيها ولا ماء) ، وأنزلهما بمكة في موضع زمزم، ومضى لا يلوي على شيء. ودعا دعاءه الخاشع الراضي، وانصرف إلى أهله بالشام، وترك هاجر وولدها الذي طالما دعا الله - سبحانه - أن يرزقه به. كم كانت تضحية كبيرة! أبَعْدَ أن يُرزق الولد، ويراه بين يديه، وتقر عينه برؤيته، يُحرم منه وهو حي يرزق؟! والأعجب من هذا أن يحرم منه طائعًا مختارًا نزولًا على أمر الله - عز وجل - (( 3) .
من خلال هذه اللمحة التاريخية ندرك أن تلك العقبة أو الخطوة الابتلائية في حياة أبي الأنبياء - عليه السلام - تمثل معلمًا في طريق الدعاة، ولنا أن نسميه ما شئنا: نسميه ابتلاء، نسميه تضحية، ولكن الأهم من ذلك أنه يمثل قمة النضج في حياة الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الترتيب الصحيح لأولوياته، فتصبح الفكرة مقدمة على أي أمر أو مصلحة أو ارتباط آخر في حياته.
فإذا كان الطفل يمر بمراحل اجتماعية نفسية ثلاث هي: مرحلة التمحور حول الأشياء، ثم مرحلة التمحور حول الأشخاص، ثم مرحلة التمحور حول الأفكار. فكذلك المجتمعات، تمر بالمراحل نفسها في تطورها الحضاري (4) . فنحن نؤكد أن ذلك واقع أيضًا في حياة الداعية، وأن تطوره التربوي والدعوي يمر بالمراحل نفسها! حيث يبلغ قمة النضج، عندما يصبح تمحوره حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، ويتعدى مرحلة التأثر والتمحور حول الوسائل والأشياء والماديات، ومرحلة التمحور حول الأشخاص.
وتأمل تلك التضحية في سبيل الفكرة التي لا تمثل قمة النضج فقط، بل إن الموت في سبيلها كان من أعظم صور النصر، وذلك بانتصار الفكرة، حين مات الغلام على يد الساحر؛ كما جاء في قصة)الغلام والراهب (( 5) . وتدبر مغزى هذا التوجيه الرباني، لخير الأجيال، حينما أصابهم الخور عندما سرت إشاعة مقتله - صلى الله عليه وسلم - أثناء محنة أُحُد؛ وذلك حتى يرتبطوا بالفكرة لا بالشخص ولو كان خير من وطئ الحصى - صلى الله عليه وسلم: (( ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) [آل عمران: 144] .
وتدبر أيضًا سنة الله - عز وجل - في هذا القانون الشاق، (قانون الخروج) ، أو المرحلة التي لا بد منها، في طريق أصحاب الدعوات، والذي لفت إليه نظر الحبيب - صلى الله عليه وسلم - عن طريق ورقة بن نوفل، في أول خطواته الدعوية، عندما)قال: يا ليتني فيها جذعًا - أي شابًا جلدًا - إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟! قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي (( 6) .