فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 1236

وتدبر كذلك قصة يوسف - عليه السلام - وما تمثله من نموذج للخروج والابتلاء قبل التمكين، ومغزى نزولها في الفترة الحرجة من عمر الدعوة بين عام الحزن، وبين بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، التي جعل فيهما الفرج والمخرج لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللعصبة المؤمنة معه وللدعوة الإسلامية، بالخروج والهجرة إلى المدينة.

وهو المعلم التربوي العظيم، الذي يوضح أن الداعية لا بد أن يعيد ترتيب أولوياته، ويدرك أن قمة النضج الدعوي، في حياة الدعاة، وأصحاب المبادئ، لا تكون إلا بالتطور والخروج بمعناه الراحب اللاحب، الخروج من أسر الوسائل والأشياء والماديات، ومن التأثر بالشخصيات، إلى التمحور حول الفكرة التي يؤمن بها والمبدأ الذي يحمله.

اعقلها... وتوكل:

علامة توازن الحركة الدعوية: عندما صدع إبراهيم - عليه السلام - بأمر ربه، وترك هاجر ووحيدها، ومضى بعد أن وضع عندهما جرابًا - وهو الوعاء الذي يحفظ فيه الزاد ونحوه فيه تمر، وسقاء: وهو القربة الصغيرة فيها ماء - فكانت هاجر تأكل التمر، وتشرب الماء، وترضع وليدها.

وهذا السلوك العظيم في حياة الأنبياء والدعاة على مر التاريخ يوضح أن خلق التوكل على الله - عز وجل - لا ينافي مبدأ الأخذ بالأسباب.

وتدبر خطة الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم، حينما هاجر من المدينة، وكيف أخذ كل الأسباب. وكذلك كان ديدنه - صلى الله عليه وسلم - في كل غزواته؛ بل وفي كل أموره.

وضوابط التوكل عليه - سبحانه - وأهمها الأخذ بالأسباب، هذه الضوابط وردت في أكثر من وصية عنه - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: )اعقلها وتوكل (( 7) .

وهذا المعلم الدعوي، أو الركيزة التربوية، توضح أهمية وجود التوازن في حركة الأفراد الدعوية، بين جناحي الحركة الإيجابية، وهما: الأخذ بالأسباب الشرعية، ثم التوكل عليه - سبحانه -.

منارة... لا تنطفئ:

الثبات على الحق: عندما مضى الخليل - عليه السلام - قافلًا إلى الشام بعد أن ترك هاجر لوليدها، )فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارًا، وهو لا يلتفت إليها!!، فقالت: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت (( 8) .

تدبر هذا الموقف العصيب، وتلك التجربة المريرة، في حياة تلك الأسرة المؤمنة المباركة، وتدبر هذه الزوجة البارة الصالحة الممتحنة، وهي تتعقب زوجها، وتصف له الوادي. وتدبر مغزى هذا الوصف لحالها: )فقالت ذلك مرارًا، وهو لا يلتفت إليها!!

ولعل وصف الحديث لعظمة هذا الموقف، ليس فقط في استجابة وامتثال الخليل - عليه السلام - لوحيه - سبحانه -، بل في بلوغه هذه القمة الشامخة في الثبات على الحق، رغم رجاء زوجته، مرارًا. حقًا (( إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) ) [النحل: 120] .

وهذا الثبات، هو المعلم الدعوي البارز، والمنارة التي لا تنطفئ، تلك المنارة التي يشعلها السابقون للاحقين، على طريق الدعوة. وهو الإرث العظيم الذي يفخر به الأبناء السائرون على طريق الآباء والأجداد الهادين المهتدين، أولئك الرجال الصادقون الثابتون، الذين لم يبدلوا، إذ: (( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) ) [الأحزاب: 23] .

عودة راضية... وانطلاق مطمئن:

أهمية وجود البيت المسلم: وفي موقف هاجر وهي تتبع زوجها - عليه السلام - وتلح عليه مرارًا، ثم قناعتها بما فعله الخليل - عليه السلام - عندما علمت أن هذا أمر من الله - سبحانه -، وقالت قولتها الخالدة: (إذًا لا يضيعنا) .

تدبر هذا الموقف العصيب: زوجة ضعيفة، ووليد أضعف، بل ووحيد أبويه، يتركان في صحراء قاحلة، في واد ليس فيه إنس ولا شيء! ثم يكون الاطمئنان، والقناعة بكلمة واحدة من زوجها - عليه السلام - عندما قال: (نعم) مجيبًا على سؤالها الملهوف: (آلله الذي أمرك بهذا؟) .

وكم ينقص الدعاة العاملين، من تربية وجهد، حتى تصل أسرهم أو تتشبه بمثل تلك القمم، قبل أن ينطلقوا، كما انطلق الخليل - عليه السلام -؟!

فالأم عندما تعرف وظيفتها الخالدة، وتعود لتحمي الجبهة الداخلية، راضية قانعة، عندها وعندها فقط يمكن للأب أن ينطلق مطمئنًا.

إن وجود الأسرة المسلمة، وتلك الجبهة الداخلية الربانية، في حياة الدعاة، لهي من أهم الركائز والمعالم في طريق الدعوة.

والحركة الدعوية هي حركة مؤسسية جماعية، تعاونية تعاضدية، الفرد فيها يندمج اندماجًا كليًا، بنفسه وأهله؛ بل وفي كل شؤونه.

وأي خلل فردي ما هو إلا علامة من علامات تضييع الثغور. فإذا ضاع ثغر، أصاب الخطر المجموع، كما يصيب الفرد. لذا؛ فإن الخلل الفردي يسأل عنه الجميع! ويجب أن لا ينطلق الداعية خارجيًا إلى مهامه الكبار قبل أن يرسي قواعد قلعته داخليًا، ويضع عليها من يحرسها عن رضى وقناعة.

الركن الشديد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت