فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1236

ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدًا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة ، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الأرض؛ فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة ، ووسائل الدعاية الحديثة ، لتشويه أهدافها ، وتمزيق أوصالها . . يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرًا يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة ، وطبيعة طريقها . وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق . ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك؛ فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى ، وحين تعوي حولها بالدعاية ، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة . . أنها سائرة في الطريق ، وأنها ترى معالم الطريق!

ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي .

.تستبشر بهذا كله ، لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل . وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق . ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى؛ وتمضي في طريقها الموعود ، إلى الأمل المنشود . . في صبر وفي تقوى . . وفي عزم أكيد

قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة

قال الرازي (1) :

ثم قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن .

وقوله { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن إذا كان رقيبًا على الشيء وشاهدًا عليه حافظًا . قال حسّان:

إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب

والثاني: قالوا: الأصل في قولنا: آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في: هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمنًا فلهذا قال المفسرون { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } أي أمينًا على الكتب التي قبله .

المسألة الثانية: إنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخًا ألبتة ، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبدًا ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدًا .

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى: بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت: 42 ] والمهيمن عليه هو الله تعالى .

ثم قال تعالى: { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك .

{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { وَلاَ تَتَّبِعِ } يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم .

المسألة الثانية: روي أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود ، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

المسألة الثالثة: تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال: لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال: { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } .

والجواب: أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل: الخطاب له والمراد غيره .

ثم قال تعالى: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } وفيه مسائل:

(1) - تفسير الرازي - (ج 6 / ص 73)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت