أيها الإخوة، إن كثيرين أقبلوا على الدعوة عندما رأوا ثباتَ أهلِها واصطبارَهم على تَحمّل الابتلاءِ الذي لا تثبت له الجبالُ الراسياتُ، يقول سيد رحمه الله:"والذي يقع غالبًا أن كثرة الناس تقف متفرجةً على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، حتى إذا تضخم رصيدُ التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات وهم ثابتون على دعوتهم ماضون في طريقهم قالت الكثرةُ المتفرجة أو شَعرت أنه لا يتمسك أصحابُ الدعوة على دعوتهم ـ على الرغم من التضحيات والآلام ـ إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن، وعندئذ تتقدم الكثرةُ المتفرجةُ لترى ما هذا العنصرُ الغالي الثمينُ الذي يرجحُ كلَ أغراض الحياة، بل ويَرجحُ الحياةَ ذاتَها عند أصحاب الدعوة، وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجًا في هذه العقيدة بعد طول التفرجِ بالصراع".
ونختم حديثنا بمناداة الصادين عن دين الله خاصة ممن يدعي الإسلام بنداء الجن لقومهم لما عرفوا الحق: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأحقاف:31 ، 32] ، ونقول للمضطهدين من أجل دينهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] ، وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:104] .
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
جامع الحمادي
الخطبة الأولى
عباد الله، الابتلاء سنةُ الله في خلقه، يبتليهم بالخير والشر والضار والنافع، ليرى صدق الصادقين وإقبال المقبلين عليه، فمن أُلهم الإنابة والتضرع والدعاء عند نزول البلاء فقد أريد به الإجابة. والناس في هذه الدنيا متقلبون فيها بين خير وشر ونفع وضر، وليس لهم في أيام الرخاء إلا الشكر والثناء، ولا في أيام المحنة والبلاء إلا الصبر والدعاء، وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أنه ما من ليل إلا بعده صباح، وما من ضيق وشدة إلا بعده فرح ومخرج:
تصبّر إن عقبَى الصبر خيرٌ…ولا تجزع لنائبة تنوبُ
فإن اليسر بعد العسر يأتي…وعند الضيق تنكشف الكروبُ
وكم جَزعت نفوسٌ من أمور…أتى من دونِها فرجٌ قريب
والرسول في هذا الباب يذكرنا بقصة الثلاثة الذي اختارهم الله للابتلاء، وكيف أن الله سبحانه نجاهم بإخلاصهم وصدقهم ودعائهم له سبحانه وتعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: (( انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار ـ أي: دخلوا الغار للمبيت فيه قال: ـ فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ـ أي: يتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم أي: بأرجي عمل عملوه لله تعالى ـ قال الأول: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبِقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا ـ أي: لا أقدم عليهما أحدًا بهذا الغبوق من الحليب ـ قال: فنأى بي طلب الشجر يومًا ـ أي: استطرد مع غنمه في المرعى إلى أن بعُد عن مكانه على غير العادة ـ قال: فلم أرح عليهما ـ أي: لم أرجع عليهما ـ حتى ناما، فحلبت لهما غبُوقهُما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي ـ أي: يتصايحون ببكاء من شدة الجوع ـ قال: فاستيقظا فشربا غبُوقهُما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت لا يستطيعون الخروج منه ) ).
الله أكبر عباد الله، فهذا الرجل بلغ مبلغًا عظيمًا في بره بوالديه لأن الله عز وجل قال: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8] ، وقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أقبل رجلٌ إلى نبي الله فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، فقال: (( هل لك من والديك أحد حي؟ ) )قال: نعم بل كلاهما، قال: (( فتبتغي الأجر من الله تعالى؟! ) )قال: نعم، قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) )متفق عليه.
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4256)