فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 1236

في بيعة العقبة بعد أن بايع الصحابة رضوان الله عليهم بل قبل أن يبايعوا انظروا كيف كانت روح الحماس جاء أبو التيهان وفي رواية غيره قال: اعلموا أنكم إنما تبايعون الرجل على حرب الأحمر والأسود فإن رأيتم أنكم تسلمونه فمن الآن، أراد أن يفاصلهم وينبههم وأن يستشعر حميتهم، فبايعوه فقال العباس بن عبيد بن نضلة رضي الله عنه: قال: يا رسول الله لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلة واحدة لفعلنا في منى هذا الكلام في الفترة المكية، قال: لو تريد غدا أن نناجز القوم ونقاتلهم انتهى قال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نؤمر بذلك) ولما جاءه الخباب في الفترة المكية وقد اشتد الأذى: يا رسول الله ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ قال: (إنه كان في من كان قبلكم من يحفر في الأرض ثم يوضع فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع في مفرق رأسه فينشر حتى ينفلق إلى نصفين ما يصده ذلك عن دينه وإنه كان يؤتى بالرجل فيمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه) ثم قال: (والله ليبلغن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون) .

3-التدرج والاستثمار:

لهذه العاطفة: لو أننا تدرجنا لوجدنا أننا نحصل أكثر مما نحصل بالسرعة التي ليس فيها مراعاة للواقع ولطبيعة الإنسان وإمكانياته من أحسن الأمثلة في هذا:

عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لما تولى أبوه الخلافة ونعرف عمر كيف كان عندما تولى الخلافة ورعا وزاهدا وكان يعني يأخذ بالجد في الأمور، جاءه ابنه عبد الملك ينكر عليه ويقول: كيف تلقى الله عز وجل وفي هذا كذا وكذا، فقال له: ألا ترضى أن لا يمر على أبيك يوم إلا وهو يميت بدعة ويحيي سنة، ذاك الشاب يريد أن يغيرها كلها في يوم واحد، وهذا لحكمته وأيضا قوة إيمانه وحماسته يريد أن يجعلها في منهجية تحصل بها النتيجة ويقع بها الأثر المطلوب.

ونعرف ما كان من شأن النبي عليه الصلاة والسلام: في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة طاف النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة والأصنام حولها ستون وثلاثمائة صنم، والرسول يطوف بها بعد صلح الحديبية، ولم يشتمها ولم يتعرض لها أبدا لأن له مجال آخر بعد عام واحد فقط في العام الثامن فتح مكة جاء ومعه محجنه عليه الصلاة والسلام يطعن هذه الأصنام وهي تتهاوى ويقول:

{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } (الإسراء:81) .

كل شيء بأوانه الإنسان يجتهد ويعد عدته ويفكر ويدبر ويستشير ويستعين بالله عز وجل ويستخير ولكن هذا التعجل لا ينبغي أن يكون .

4-الدوام والاستمرار:

هو طبيعة ذلك التدرج (خير الأعمال أدومها وإن قل) (أحب الأعمال إلى الله ما كان ديمة) وحتى النية لكي نحافظ على هذه الحماسة تأتينا ثمرتها نحن الآن لانريد العواطف التي تصل بنا إلى العواصف القاصمة وإنما نريد العمل الذي يدوم ويستمر.

ابن عباس يذكر قصة له مع صاحب من الأنصار في سنه، قال: لما مات الرسول صلى الله عليه وسلم قلت لصاحبي من الأنصار: اغد بنا إلى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم نطلب العلم، قال له: ومن ينظر إليك يابن عباس وفي القوم أبو بكر وعمر وفلان، قال: فانطلقت وتركته وضللت أتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخذ عنهم وتدرج وتدرج حتى أصبح ابن عباس بعد فترة قصيرة من الزمن بهذه المواظبة والاستمرارية هو حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه.

والنبي عليه الصلاة والسلام رأى حبلا متدليا كما في الصحيح، قال: (ما هذا؟ ) قالوا: حبل لزينب، تصلي فإذا تعبت تعلقت به، قال: (مه، عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، ليصل أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد) خذ أمرا تستطيع أن تواصل فيه .

5-التنامي والانتشار:

وهذا أيضا من الأمور المهمة وينتج عن هذا لو أننا أخذنا بذلك سوف تنمو هذه الحماسة وتنتشر وتعم هذه الإيجابية بشكل مهم وأساسي ولعلنا وقد تجاوزنا الوقت نقول:

إن الذي نريده حماسة ولكنها مشوبة بهذه الكياسة نحن نقول: لا للتهجين والترويض ولكننا أيضا نقول: لا للإثارة والتهييج، نحن نريد أن يكون لنا طريق إلى هذه الحماسة الراشدة من خلال ما قلناه في تلك الجوانب السلبية بعكسه إيجابيا:

علم بالشرع وبصر بالواقع وصبر في المعالجة وعدالة في المواقف وأناة في الممارسة والله سبحانه وتعالى قال:

{ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا } (الكهف:58) .

هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .

عمر بن عبد الله المقبل (*) 22/4/1425

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت