حقيقة الابتلاء في القرآن
إن المؤمنين لا يكتفون بالايمان بالله ورسالاته وكتبه لفظًا وقلبًا، وإنما يضحّون بكل ما يملكون في سبيل الله تعالى. فالايمان قد عم قلوبهم، ولم تبق هناك أية ثغرة يتسلل من خلالها الشيطان الى قلوبهم. فلا يكفي أن يدعي الانسان الايمان بلسانه، بل عليه أن يعمل على سدّ كلّ الثغرات التي من الممكن أن يدخل الشيطان من خلالها الى قلبه، وعليه أن يعقد العزم منذ البدء على أن يفضّل إيمانه على مصالحه الذاتية، وحبه لذاته، وعلاقاته الشخصية مع الآخرين، وإلاّ فانه سيكون عرضة لوساوس الشيطان ومكره، فيكون مصيره بالتالي جهنم وبئس المصير.
ولقد أكد الله سبحانه وتعالى على هذه الحقيقة المرة بعد الأخرى، وفي مواضع عديدة من القرآن الكريم كقوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ((آل عمران/179) فاذا كان في قلب الواحد منا شيء من الخبث، فليحاول أن يخرجه في أسرع وقت ممكن، وإلاّ فان يومًا سيأتي لا يستطيع فيه ذلك، كما قال الإمام علي عليه السلام:"اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل". (1) وهذا هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وهو يوم القيامة.
وللأسف فان البعض قد يهمل العمل في سبيل الله ظنًا منهم أن الله تعالى سيبعث لهم كتابًا، ولكنه عز وجل يقول: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشَآءُ((آل عمران/179) ، فهو سبحانه لا يطلع الناس أيًّا كانوا على الغيب بشكل مباشر، بل يرسل إليهم رسلًا يبلغون رسالاته، ويتلون عليهم آياته. وهكذا فان القرآن الكريم هو حجة الله علينا نحن البشر.
ثم يقول سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ((النساء/136) مخاطبًا المؤمنين الذين لم يكتمل الايمان في قلوبهم بعد، وما تزال الثغرات موجودة فيها، الأمر الذي مكّن الشيطان من دخولها، وايجاد الفساد فيها.
ومن جهة أخرى فان الله تبارك وتعالى يستدرج الكفار، فينزل عليهم بركات من السماء التي هي في الواقع إمتحانات وإختبارات، كما يشير الى ذلك القرآن الكريم في قوله: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ((آل عمران/178)
وقد تكون الفتنة فردية، كأن يمتحن الانسان بأمواله وأولاده، أو بزنا، أو غيبة، أو قطع رحم، أو فساد في الأرض.. ولكن الامتحان الأكثر صعوبة، والذي يشمل جميع أفراد المجتمع بما فيهم الصالح والطالح، هو الامتحان الجماعي؛ ومن أبرز أنواع هذا الامتحان تسلط الظالمين، فاذا ما قاومه المجتمع، وتمرّد عليه، وتمكّن منه، واتّخذ الطريق الى تطبيق الاسلام بكل قوانينه وتشريعاته فقد نجا، وإلاّ فانه سيهلك، وسيكون له الخزي في الدنيا، وسيشمله العذاب بجميع أفراده، كما يقول تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً((الانفال/25) وفي الآخرة سيكون لهم العذاب المهين.
معدن الإستقامة
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ((آل عمران/137-143)
يتفاوت بنو البشر في ذواتهم وطبائعهم طبقًا لتفاوت معادنهم، ومثلهم في ذلك مثل الأرض التي منها الطيب والخبيث ومنها الخصب والعقيم، فهذه تنبت الطيب والنافع، وتلك لا يخرج منها إلاّ النكد الضار، وقد قال عز اسمه بهذا الصدد: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا((الاعراف/58) . وكذلك هم الناس والأمم، فمنهم من يمتاز بالطيبة والأصالة، ومنهم من معدنه خبيث هجين ورخوٌ لا أساس له ولا استقرار..