وللأسف فان بعض الناس في مجتمعاتنا ما يزالون غير مدركين لمغزى ما جرى ويجري عليهم، فلم يفسروا الأحداث التي مرت بهم تفسيرًا قرآنيًا صحيحًا. وأنا عندما أقول: (بعض الناس) فاني لا أقصد أناسًا بعيدين عنا، بل نحن أنفسنا؛ بسبب تراكم سلبيات الماضي علينا، واحتجاب فطرتنا عن الحقائق، فلم نكتشف الدرس الذي لابد أن نكتشفه، والعبرة التي لابد أن نأخذها في مجال الحياة الاجتماعية.
لقد مرت أعوام طويلة والعالم الاسلامي ممزق، والمآسي والمشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية تتراكم علينا، فلا نتخلص من مأساة إلاّ لنقع في شرك مأساة جديدة، ولا ننجو من حاكم ظالم إلاّ لنقع في حبائل حاكم ظالم آخر.. والمشكلة ليست في وجود المآسي ومعاناتنا منها، بل إن المشكلة هي عدم فهمنا للعبرة منها. فهذه المآسي التي تتكرر علينا لم تعطنا الدرس المناسب، وهو أن نعود الى فطرتنا، والى حالة الضراعة.
حقيقة الضراعة
إن الضراعة تعني في حقيقتها أن نغيّر أنفسنا، وأن نستعد لاعادة النظر في تأريخنا، وبنائنا الفكري والثقافي والسلوكي والاجتماعي والسياسي. ولكن للأسف فان كل تلك المآسي لم تعطنا الدرس المناسب والكافي، فلماذا لا نحتكم الى القرآن الكريم وهو الذي يهدينا سواء السبيل في هذا المجال، من خلال الآيات السابقة التي تقرّر أن الحكمة من المصائب والمآسي التي تنزل على الانسان هو أن يستشعر حالة الضراعة الى الله تبارك وتعالى؟
وعلى هذه الأساس فان مشكلتنا الرئيسية هي أننا لم نستفد من الدروس القاسية التي مرّت بنا، ولم نفهم الحكمة الالهية من الضراعة الناجمة من البأساء والضرّاء. ورغم أننا نؤمن إنّ علينا أن نعيد النظر في تاريخنا وأشخاصنا وفي كل شيء يحيط بنا، إلاّ أننا ما نزال نعيش في قمة المآسي والمشاكل. والمصيبة أننا ننسى كل هذه المآسي لنعيش في أفقنا الضيق، وننظر الى كل هذا العالم الرحب الواسع عبر ثقب ضيق للغاية. في حين أن الله جل وعلا خلق لنا هذه السموات الواسعة والمظاهر الطبيعية التي لا حصر لها.. ومع ذلك ترانا نهرب من الطبيعة، ومن الحقائق، ونحصر أنفسنا في زاوية حادة.
فلنعد الى القرآن الكريم الذي يطلب منا أن نعيد النظر في بنائنا الاجتماعي والفكري والسياسي، فلابد من أن نعود إليه والى حكمه ونكتشف بصائره في الظروف المتأزمة التي يمرّ بها الانسان. ثم لنتضرع الى الله سبحانه وتعالى عبر الادعية التي من شأنها أن تعيدنا الى فطرتنا، والى فهم السبب الحقيقي لمآسينا، وإسقاط الاعتبارات المزيفة، وتحطيم الأصنام التي تحجبنا عن الحقائق. فلنقرأ القرآن بتدبر ولندرس من خلاله واقعنا، ولنقرأ الأدعية بتأمل لندرس أنفسنا من خلالها، وليحاول كل واحد منا أن يعيد بناء نفسه ومن حوله، فالمأساة هي أعظم مدرسة لنا في الحياة، فمن يدخل مدرسة الحياة فانه سيكون في غنىً عن أي أستاذ آخر.
من الظواهر السلبية في حياتنا إنّ أغلب الناس منصرفون الى هموم الدنيا، وشؤون المعاش من مأكل وملبس ومتع ولهو ولعب، غير ملتفتين الى علة وجودهم وحياتهم على هذه الأرض، ولا آبهين بغاية هذا الوجود؛ فقلّما نجد أولئك الذين يسائلون أنفسهم عن تلك العلّة والغاية، وما ينطوي عليهما من حقائق تنظّم الحياة، وتعبّد طرقها على أساس ذلك الفهم والادراك.
فلابدّ أن يكون هناك هدف وغاية من وجودنا، وتركيبنا بهذه الهيئة التي نحن عليها؛ بل إنّ الغائيّة والهدفيّة تعمّان كلّ صغير وكبير في أبداننا وأحاسيسنا. فأعضاء جسد الإنسان لم تخلق، ولم ينعم بها الإنسان إعتباطًا وعبثًا، بل لها أهداف تجتمع في بؤرة هدف واحد، هو الهدف الرئيس من الوجود.
هدفيّة الوجود تشمل كل شيء
وهدفيّة الوجود لا تقتصر على الإنسان وحده، بل إنها امتدّت الى كل شيء صغير وكبير في الطبيعة. فليس هناك شيء مخلوق دون هدف، وحاشى لله أن يصدر منه ذلك، وحتى المخلوق الذي فيه الضرر والفتنة للانسان فانّه ضروري لإصلاحه.
ويبقى من حقّ كل إنسان أن يسأل عن هذا الهدف، وسرّ الظواهر التي تحيط به؛ فهذا السؤال هو السؤال المهم الذي له صلة وثيقة بأوضاعنا التي نعيشها اليوم، والتي هي أوضاع خطيرة وحسّاسة يعجب منها الناس لأنهم يجهلون أسبابها وأسرارها والحكمة من ورائها، فلو عرفوها بطل العجب وزالت الحيرة عندئذ.
الفتنة.. هدف أساس