وهكذا فانّ المهمّ أن نعرف ما هو الهدف من وجودنا وحياتنا أوّلًا، وكيف نتحرّك في إطار هذا الهدف ثانيًا كي لا يستبدّ بنا العجب. والجواب على السؤال الأوّل يتلخّص في كلمة واحدة صريحة هي: الفتنة التي هي باطارها العام الهدف الأساسيّ من خلق الإنسان فوق هذه البسيطة، وربّما جهلت ملائكة السماء أمر الخلقة الإلهية للانسان، والارادة الربانية من وراء إهباطه على الأرض، ومنحه نعمة الارادة والحريّة والاختيار بعد أن يجد أمامه أسباب الاستقامة، وأسباب الانحراف، ويرى بعينه، ويدرك بعقله سبل التقوى والرفعة والنبل مقابل سبل المعصية والانحطاط، ليختار، ويُعمل إرادته وحريّته. فالملائكة جهلت سرّ أمر الارادة الإلهية في هذا الخلق، فما عرفوه أنّ هذا المخلوق من شأنه الإفساد، وسفك الدماء فحسب كما روى لنا ذلك الخالق تعالى في قوله: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ((البقرة/30)
الآثار الايجابية لمعرفة الهدف
وبمعرفة الهدف وادراكه والتكيّف معه، نعرف كيف نتعامل مع هذا الهدف، وبالتالي فاننا سنقترب من الحكمة الإلهية التي اقتضت لنا تلك الهدفيّة في الحياة؛ أي الفتنة والتمحيص والابتلاء، وبذلك يكتمل الإيمان فينا، فنعيش الطمأنينة والسكينة وراحة النفس والبال والضمير. وهذه هي سمات المؤمنين بالله حقًّا، فلأنَّ المؤمنين يعون جيدًا هذه الهدفية في الحياة، فانّك تراهم في سكن وطمأنينة وراحة في نفوسهم وضمائرهم؛ فاذا ما محّصوا بالفقر وجدوا الله تعالى عندهم فاطمأنّت قلوبهم، وهدأت نفوسهم بذكره وحمده وتسبيحه وشكره على نعمائه، وإذا ما أصابتهم مصيبة الموت في عزيز أو قريب عندهم لجأوا الى ربهم، فقد كيّفوا أنفسهم مع البلادء والابتلاء، وخبروا الفتن والمصائب بكلّ ألوانها وأنواعها، وارتضوا لانفسهم ما قدّر الله سبحانه وقضى لهم وعليهم. وهذه من قوانين الله في عباده ومخلوقاته في الوجود، فالمؤمن يكيف نفسه، ويجعلها تنسجم مع المقتضيات والسنن الإلهية.
تأثير الابتلاء على النفس المؤمنة
وهناك سؤال آخر يثار في هذا المجال وهو: ما هو تأثير الإمتحان والفتنة على النفس المؤمنة، وكيف نحقّق في أنفسنا وحياتنا فلسفة وحكمة الفتنة والابتلاء؟
إن تأثير الامتحان والتمحيص على الإنسان قد يكون سلبيًّا أو ايجابيًا، ولذلك قيل: (عند الامتحان يكرم المرء أو يهان) . فعندما يسأل الإنسان عن مدى خبرته في عمل ما، فانه لا يتردّد في الجواب الايجابي وإن كان جاهلًا، وهذه هي طبيعة الإنسان المتمثلة في عدم إقراره بالجهل، ولكنّ أمره سرعان ما يفتضح عند الاختبار، وحينئذ سيفهم هذا الإنسان حقيقة نفسه فيضطرّ حينئذ الى إصلاحها.
وللأسف فانّ البعض ممن يهرب من عيوب نفسه، ويخشى ظهورها على حقيقتها، نجده يتهرّب من مواقع التمحيص كالذي يكره المرآة، ويودّ تحطيمها لأنها أظهرت له عيبًا في وجهه لم يكن قد التفت إليه لولاها. ولكي نبرهن على واقعيّة إيماننا علينا أن نعشق المرآة، ونلجأ إليها دائمًا كي نطّلع على عيوب أنفسنا، ونعمد الى إصلاحها؛ ومرآتنا تتمثل في إخواننا المؤمنين ذوي الألباب، فبنصحهم وصلاحهم تصلح مسيرتنا، وتنجلي البقع السوداء من قلوبنا؛ فقد تحسّ أن في قلبك نقاطًا سوداء يجعلها الناس فيك، وربّما يتوفّاك الموت دون أن يعلم أحد بها، ولكن عليك أن لا تنسى أن الإنسان لا يحاكم لوحده يوم القيامة، بل إنّ الملايين قد تُحاكم كمجموعة واحدة في يوم الحشر الرهيب، وهناك تفتضح النفوس، وتنكشف حجب القلوب، ولذلك جاء في الدعاء بشأن هذا الموقف الرهيب:"اللهم إنّي مؤمن بجميع أنبيائك ورسلك صلواتك عليهم فلا تقفني بعد معرفتهم موقفًا تفضحني فيه على رؤوس الأشهاد، بل قفني معهم وتوفّني على التصديق بهم". (1)
من هنا كان الأجدر بنا أن نظهر حقيقة ما في قلوبنا وأنفسنا قبل أن يفتضح أمرنا في يوم الخزي الأكبر. فلنعرض حقيقة أنفسنا، ولنبدأ باصلاحها بعد التوكّل على الله سبحانه، ولندعُ لاصلاح أنفسنا في كلّ ساعة وفي كل حال نحن فيه.
واصلاح النفس يكون بالالتزام بركنين من الأخلاق؛ الاجتناب، والتمسك. إجتناب الأخلاق السلبية السيئة، والتمسّك بالأخلاق الايجابية الفاضلة. فالى متى نظلّ نعيش أخلاق السلب، ونتعامل بها مع الآخرين، فتزيدنا ذنوبًا الى ذنوبنا؟ والى متى يبقى الحسد، والكبر، والبغض متأصّلًا في قلوبنا، ومتراكمًا عليها؟ فمثل هذه الكدورات، والعيوب التي تسوّد قلوبنا وتميتها ينبغي أن ندعو الله لازالتها. فلنحذر الشيطان ومكائده، والتي منها أنه يصوّر لنا أنفسنا بأحسن صورة، فيجعلنا نرضى عنها، ونقتنع أنها منزّهة زكية.
الابتلاء غاية الحياة