فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 1236

عباد الله: إنه لا يمر يوم من أيام هذه الحياة إلا ويحل في الخلق من المصائب الكبيرة والصغيرة ما الله به اعلم، كالفقر والمرض والموت والهموم والمشاكل والظلم والضوائق النفسية والإجتماعية فعلينا إن نستقبل ذلك راضين محتسبين ليبرد مر المصيبة ولترفع بها عند الله الدرجات وتحط السيئات.

أما من استقبل المصائب بالسخط والضجر ولم يحتسب ويصبر فإن مصيبته لايرفعها الله عنه لضجره وتأففه، وسيكون موقفه هذا وبالًا عليه في الدنيا والآخرة.

عباد الله: وأولادنا غدًا سيختبرون وقد أحاطت به المخاوف هيبة للامتحان وخوفًا من الرسوب فهل هيئأناهم نفسيًا وغرسنا فيهم التوكل على الله وقلنا لهم إن العون من الله والتوفيق بيده، فلا يطلب ما عند الله بسخطه، وهل ذكرناهم باللجوء إلى الله والتضرع إليه، وهل راقبناهم أثناء مذاكراتهم وعرفنا أصحابهم وجلساءهم، وهل حرصنا عليهم في تطبيق أوامر الله والإبتعاد عن نواهيه وتابعناهم في ذلك مثل متابعتنا لهم في دروسهم وإختباراتهم، وهل تذكرنا محافظتهم على المساجد وحضورهم لصلاة الفجر هذه الأيام، هل تذكرنا إعراض الكثير منهم عن الصلوات مع الجماعات، وهل تذكرنا وإياهم أن المرء عند الإمتحان يكرم أو يهان، هل تذكرنا امتحان الآخرة وحسابها في ذلك اليوم الذي ليس فيه رجعة لإعادة الكرة والإجتهاد مرة ثانية، ذلك الإمتحان الذي ليس فيه دور ثاني، فالحساب الحساب قبل يوم الحساب، وهل إستشعرنا نحن وأبناؤنا مغبة الذنوب وإثمها التي نحن واقعون فيها وراجعنا وإياهم حساباتنا لنعود إلى الله ونتخلص مما يسخطه، وهل دفعنا الحرص عليهم ومحبتهم والحنان عليهم والإشفاق من الرسوب في الإختبار هل دفعنا ذلك الحرص إلى المسارعة في وقايتهم من نار الله الحامية بالعمل بطاعته واجتناب معاصيه.

عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد سيد الآولين والآخرين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين.

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

الخطبة الأولى

أما بعد:

إن من سنة الله تعالى في عباده المؤمنين أن يبتليهم جل وتعالى ،ابتلاءً يقوى بقوة الإيمان ،ويضعف بضعفه ،يقول رسول الله في الحديث الصحيح: (( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ،يُبتلى الرجل على حسب دينه ،فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ) ). إنه ما من أحد في هذه الدنيا إلا وهو مُبتلى ،إما بمصائب وبلايا ،وإما بمحن ورزايا ،وإما بآلام تضيق بها النفوس ،أو بمزعجات تورث الخوف والجزع ،فكم ترى في الدنيا من شاكي ،وكم تسمع من لواّم ،وآخر يشكو علة وسقما ،ورابع ،يشكو حاجة وفقرا ،وهذا متبرم من زوجة وأولاده ،وذاك لواّم لأهله وعشيرته، وإذا قد كسدت تجارته وبارت صناعته. وآخر قد ضاع جهده ولم يدرك مرامه ،وهكذا.

لكن المؤمن من بين كل هؤلاء ،ذلك الذي قد توجه بكليته إلى ربه ،وضع أمامه هدفًا ساميًا يسعى لتحقيقه ،هذا المؤمن ابتلاءه يختلف عن غيره ،فليس ابتلاءه ابتلاء إهانة وتعذيب ،لكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب ،ابتلاء تربية وتقويم وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

إن هذا الصنف من المؤمنين ،ممن جعلوا غايتهم رضى الله رب العالمين ،قد وطنوا أنفسهم على احتمال المكاره ،ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، إنهم قد أحسنوا ظنهم بربهم ،وأمّلوا فيه جميل العواقب وكريم العوائد ،كل ذلك بقلب لا تشوبه ريبة ،ونفس لا يزعزعها كربة ،مستيقنين ،معتقدين ،اعتقادًا جازمًا بأن بوادر الصفو والفرح لابد آتية. كاستيقانهم بأن غدًا بعد اليوم، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور.

إن هؤلاء المؤمنين يعلمون بأن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب ،لكنهم يعلمون بأنها حقيقة ذات تكاليف ،وأمانة ذات أعباء ،وجهاد وصبر وتحمل لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرد وإخلاص. إنهم يعلمون بأن أثقال الحياة ،وصعوبة الطريق ،ووعورة المسار ،لا يطيق حملها الضعاف المهازيل ،لا ينهض بأعبائها إلا العمالة الصابرون ،أولو العزم من الناس ،أصحاب الهمم العالية. إنه لا يكفي أن يقول الناس: آمنا ويتركوا لهذه الدعوى. حتى لا يتعرضوا للفتنة فيثبتوا لها ويخرجوا منها ،صافية عناصرهم ،خالصة قلوبهم.

أيها المسلمون: إن عبء الإيمان لكبير ،وإن تكاليفه لشاقة إلا على النفوس المؤمنة بالله إيمانًا راسخًا ،والمتقبلة لتكاليفه بطواعية ،والراغبة فيما عند الله وما وعد به المؤمنين من نصر وعز في الدنيا ،وثواب مضاعف في الآخرة ،قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1266)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت