عباد الله: إن الله سبحانه ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علمًا وعملًا ولم يضمن نصر الباطل ولو أعتقد صاحبه أنه محق، والعزة والعلو لأهل الإيمان والتقوى الصابرين المحتسبين قال تعالى: فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال: ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، إن الله يدافع عن الذين آمنوا ، والله ولي المؤمنين ولكن لنعلم جميعًا أيها المسلمون أن مدافعة الله عن عبده وكفايته له وتوليه ومعينته له ونصره وإعزازه له كل ذلك بحسب ما مع العبد من الإيمان، فإن فاته شيء من العزة والتأييد والنصر فهو في مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان وتمسكه بحبل الله، فمن نقص إيمانه نقصت عنه هذه المعاني، ومن زاد إيمانه تحققت له بحسب إيمانه، وإذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله أو بتسلط عدوه عليه فإنما حصل له ذلك بسبب ذنوبه قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مكفي مرفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهرًا وباطنًا.
عباد الله: ومما يتسلى به المصاب أن يعلم أن المصائب والشدائد تمنع من الفخر والخيلاء والتكبر والعجب والتميز، فإن النمرود لو كان فقيرًا سقيمًا فاقد السمع والبصر لما حاج إبراهيم في ربه، لكن حمله بطر الملك على ذلك، ولو ابتلي فرعون بمثل ذلك لما قال: أنا ربكم الأعلى فمن رحمته أرحم الراحمين أنه يرعى عبده كل حين بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من أدواء العجب والتكدر حفاظًا لصحة عبوديته واستفراغًا للمواد الفاسدة المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهّله لأشراف المراتب في الدنيا، وهي العبودية الحقيقية ورقاه إلى أرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته في الجنة.
ومما يتسلى به المصاب أن يعلم أن المصيبة تفتح على العبد أبوابًا من العبادات الظاهرة والباطنة كالدعاء والإخلاص والإنابة وفعل الخيرات وترك السيئات وإذا مس الإنسان ضرٌ دعا ربه منيبًا إليه وكذلك تكون المصائب تكفيرًا للذنوب ورفعًا للدرجات، قال رسول الله: (( ومايزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) ) [رواه الترمذي] . حسن صحيح، قال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة من المفاليس فمن تحقق هذا وعرفه وشاهده بقلبه علم أن نعم الله على عبده المؤمن في البلاء أعظم من نعمه عليه في الرخاء لما قاله: (( لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ) ) [رواه مسلم] .
ومما يتسلى به المصاب أن يعلم أن سرور الدنيا وشرورها كأحلام نوم أو كظل زائل، واللبيب بمثلها لا يخدع، فهي إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وأن سرت يومًا أحزنت شهورًا، وإن أعطت يسيرًا منعت كثيرًا، فلا يبقى لها حبور ولا يدوم فيها ثبور قال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، وقال النبي: (( ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها ) ) [رواه الترمذي بسند حسن] .
ومما يتسلى به المصاب أن يعلم أن المصائب تتفاوت، فأعظم المصائب مصيبة المسلم في دينه وتحوله عنه، ورجوعه إلى المعصية بعد الطاعة، وإلى الغفلة بعد الذكر، ومصائب الدنيا كذلك تتفاوت، فما من مصيبة فيها إلا ويوجد ماهو أكبر منها.
وإذا رأيت انسانًا لا يبالي بما أصابه في دينه من إرتكاب الذنوب والخطايا وفوات الجمعة والجماعات وأوقات الطاعات فأعلم أنه ميت لايحس بألم المصيبة قال شريح: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عز وجل أربع مرات أحمده إذا لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للإسترجاع لما أرجو منه من الثواب، وأحمده إذا لم يجعلها في ديني.
ومما يتسلى به المصاب أن يعلم أن الله يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وصبره ورضاه بما قضاه الله عليه.
وليتدبر المصاب عز الربوبية وذل العبودية وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ، وليعلم المصاب أن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم وعجل لهم العقوبة في الدنيا قال رسول الله: (( أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان دينه رقه ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) ) [رواه أحمد والترمذي وقال: صحيح] .
ومن حكمة الإبتلاء والمصيبة أنها تذكر العبد بذنوبه وتزيل قسوة القلب وترجع العبد إلى الله ليقف ببابه ويتضرع إليه ويستكين، وتقطع قلب المؤمن عن الإلتفات إلى المخلوقين والإقبال على الله وحده، وأن المصيبة تعرف المصاب قدر نعمة العافية لأن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها.