فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 1236

ولقد حمى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في مواطن أخرى من أذى الكفار كما أخرج الإمام مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجه بين أظهركم ( [7] ) ؟ قال: فقيل: نعم , فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته - أو لأعفرن وجهه في التراب - قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي , زعم ليطأ على رقبته , قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه , قال: فقيل له: مالك ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا .

قال: فأنزل الله عز وجل - لاندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه- (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى) (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى) (العلق: 9 ) (عَبْدًا إِذَا صَلَّى) (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى) (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) (أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) ( [8] ) (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) (فَلْيَدْعُ نَادِيَه) (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [ العلق: 6 - 19] ( [9] ) .

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو بكر الحميدي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد: 1 )

أقبلت العوراء أم جميل ( [10] ) ولها ولولة ( [11] ) وفي يدها فهر ( [12] ) وهي تقول:

مذمما أبينا ( [13] ) *** ودينه قلينا ( [14] ) *** وأمره عصينا

ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد , ثم قرأ قرآنًا اعتصم به - كما قال - وقرأ

(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (الإسراء: 45 )

فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر , ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت: يا أبا بكر إني أُخبرتُ أن صاحبك هجاني , فقال: لاورب هذا البيت ماهجاك , قال: فولَّت وهي تقول: قد علمَتْ قريش أني بنت سيدها ( [15] ) .

ومن أمثلة ذلك ماسبق من خبر أبي جهل حينما هدد بفضخ رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر فمنعه الله تعالى منه .

ولكن الله تعالى يمكِّن الكفار أحيانًا - كما في الخبر السابق - من إيصال الأذى لرسوله صلى الله عليه وسلم , وذلك لرفع ذكره في العالمين , وليكون قدوة لأتباعه المؤمنين في الرضا بقضاء الله تعالى , والصبر الجميل على الأذى .

وقد يمكِّن الله تعالى أهل الباطل من أهل الحق برهة من الزمن فيقومون بالتنكيل بأهل الحق ومحاولة إسكات أصواتهم , ولكن سرعان ماينهار بناؤهم أمام تماسك أهل الحق وصدق تمثيلهم لدينهم , كما قال الله (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) (آل عمران: 111 )

( [1] ) الفتح الرباني 20/223 .

وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح - مجمع الزوائد 8/228 .

وأخرجه أبو نعيم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما دلائل النبوة لأبي نعيم /60 .

وأخرجه الحاكم بنحوه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه - المستدرك 3/157 .

( [2] ) صحيح مسلم رقم 1794 , كتاب الجهاد , صحيح البخاري رقم 2934 كتاب الجهاد

( [3] ) مجمع الزوائد 6/18 .

( [4] ) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( [5] ) يعنى إلى أبيه .

( [6] ) دلائل النبوة لأبي نعيم /162 .

وأخرجه أيضًا الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي - المستدرك 2/539 - وحسن إسناد الحاكم الحافظ ابن حجر - فتح الباري 4/39 - .

( [7] ) يعني هل يلصق وجهه بالعفر وهو التراب ويعني بذلك السجود .

( [8] ) يعنى أبا جهل .

( [9] ) صحيح مسلم , كتاب المنافقين /رقم 2797 ص 2154 .

( [10] ) هي امرأة أبي لهب المذكورة في السورة .

( [11] ) أي عويل .

( [12] ) أي حجر .

( [13] ) تريد محمدًا صلى الله عليه وسلم , وهكذا كان الكفار يسمونه على سبيل السخرية .

( [14] ) أي أبغضنا .

( [15] ) مسند الحميدي 1/153 / 154 , رقم 323 .

وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من طريق الحميدي , وذكر مثله , وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي - المستدرك 2/361 .

لقد كانت مواجهة زعماء قريش لدعوة الإسلام عنيفة متواصلة . ولقد ساءهم كثيرًا أن دخل في الإسلام عدد من أشرافهم وأبنائهم , فحاولوا فتنتهم بالتأليف أولًا حيث أغروهم بالأموال والجاه إذا هم تركوا دينهم , فلم ينجحوا معهم في ذلك فلجؤوا إلى محاولة حرمانهم من الأموال والمتاع فلم يثنهم ذلك عن عزمهم على التمسك بدينهم الحنيف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت