ثم لو أنهم رجعوا وتابوا بعد الكفر والإعراض فلهم ذلك، وعلى المؤمن أن يفرح لهم بذلك، ولو صنعوا ما صنعوا، لما بعث الله يونس - عليه السلام -، إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه، أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم..
فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها..
فلم علم بنجاتهم غضب وقال: والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا، وعدتهم بالعذاب في يوم، ثم رُد عنهم، ومضى على وجهه مغاضبا ربه، فأخذه فحبسه في بطن الحوت أربعين ليلة، حتى نادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فتداركته رحمة الله، لذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الله له: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} [ابن جرير10/76]
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو على أناس بأسمائهم، فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} ، فتاب عليهم كلهم، وهداهم إلى الإسلام [ابن كثير2/66] ..
ولما أصيب النبي صلى الله عليه سلم في معركة أحد، قال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} [مسلم 3/1417] ..
قال عبد الله بن مسعود: كأني أنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
إذن الصبر، الصبر، أيها المسلمون، ويا دعاة الإسلام، وإلا فالنتيجة:
مفسدة لا مصلحة، وهدم لا بناء، وإهلاك لا إحياء!!..
فمن لم يجد من نفسه الصبر، فليلزم خاصة نفسه، ولا يتصدى لأمر لا يصبر فيه.
الشيخ عبدالعزيز بن ناصر الجليل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه وبعد.
فإنَّ الابتلاء سنةً من سنن الله عز وجل في عباده، بل إنَّ الله تعالى لم يخلق العباد إلاَّ ليبلوهم ويختبر إيمانهم، قال تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) ) (الملك: 2) .
ومن رحمةِ الله عز وجل بعباده، أن خلقَ فيهم ما يُدافعون به البلاء، وحثهم على التخلق به، ووفق من شاءَ من عباده إلى التحلي بهذا الخلق العظيم، ألا وهو الصبر، الذي لا يستطيعُ العبد أن يفعل ما أُمِرَ به، ويترك ما نُهِيَ عنه، ويصبر على أقدار الله المؤلمة إلا به.
ويتفاوت الناسُ تفاوتًا عظيمًا في التحلي بهذا الخلق الكريم، ما بين الضعف والقوة، وبه يتباين إيمانُ الناس وثباتهم، لأنَّ الناس في الرخاءِ سواء، ولكنهم يتباينون في الشدة حسب قوة الصبر وضعفه في قلوبهم.
والصبر وإن كان لا غنى عنه لعبدٍ كائنًا من كان، حتى يصح إسلامه لله عز وجل، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والصبر على أقداره المؤلمة، لكنَّه في حقِّ الدعاة والمجاهدين في سبيل الله عز وجل أشدَّ حاجةً، و آكد في حقهم من غيرهم، وذلك لما يتعرضون له من بلاءٍ ومحنةٍ، وصدٍ عن سبيل الله عز وجل من قبل الظالمين وأعداء الدين، وعندما نتحدثُ عن الصبر الممدوح صاحبه، فإننا نتحدثُ عن الصبر الاختياري، الذي يمنعُ صاحبه من التسخط والجزع، ويمنح صاحبهُ الرضا والاطمئنان، وهذا هو الصبر الذي يُثاب عليه العبد، ويصدق عليه قول الله تعالى: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ) (الزمر: 10) .
ولا ينافي هذا مدافعة أقدار الله عز وجل بأقداره التي أذن بها لعباده.
والصبر كغيره من الأخلاق، يكتنفه خلقان ذميمان، والممدوح منه وسطٌ بينهما، فهو وسط بين طرفين: طرف التفريط المؤدي إلى الضعف والذلة والمهانة، والجزع والتسخط، وطرف الإفراط المؤدي إلى القسوة والتهور، العجلة في الأمور قبل أوانها، وفي الوسط بينهما يقع الصابر المستقيم، الذي لم تدفعهُ المصائب والابتلاءات إلى الضعف والخور والجزع، وفي المقابل لم تدفعهُ بضغوطها وشدتها إلى العجلة والتهور، والقسوة المخالفة لقواعد الشريعة ومقاصدها.
وفي هذا يقولُ الإمامُ ابن القيم رحمه الله تعالى: (( وكل خلقٍ محمود مكتنفٌ بخلقين ذميمين، وهو وسط بينهما. وطرفاه خلقان ذميمان...فإنَّ النفس متى انحرفت عن التوسط، انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلقِ »الصبر المحمود« انحرفت إما إلى جزعٍ وهلع، وجشعٍ وتسخط، وإما إلى غلظةِ كبد، وقسوةِ قلب، وتحجر طبع... «( [1] ) .
وهُنا سؤالٌ مهمٌ يتعلق بالصبر، ألا وهو:
متى يكون الصبر نافعًا لصاحبه؟! ولماذا يضعفُ صبر أكثر الناس ولا يثبت منهم إلاَّ القليل؟