فهرس الكتاب

الصفحة 1188 من 1236

فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله) [فتح الباري 7/164، 6/619] .

هذه تربية من النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بعدم استعجال النتائج، حتى بالدعاء، بل توطين النفس على الصبر الطويل، فهذا الصحابي ما جاءه يسأله الإذن بقتال أو جهاد أو انتقام، بل الدعاء، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه أن هذا استعجال للسنن، وهذا الطريق لا يصلح له إلا الصبر..

ومن هنا نعلم أن في بعض الأحوال، وفي بعض الأماكن، وفي بعض الأزمان، ليس للمسلمين إلا الصبر، وكف الأيدي مطلقا، والاكتفاء بالدعوة باللسان والقلم، وتأخير خيار الجهاد، لأن الجهاد ولو كان من أفضل أعمال الإيمان، إلا أن له شروطا، من دونها يكون خيار الجهاد خطأ وجناية على الأمة، يفضي إلى كسرها، وإذلالها، ولا يجوز لأحد أن يتسبب في ذلك..

لكن كيف يمكن معرفة الأحوال التي يجب فيها الصبر، والأحوال التي يجب فيها الجهاد؟.

الجواب: ذلك يكون بالرجوع إلى أهل العلم المتبعين للكتاب والسنة على نهج السلف، هم أعلم الناس بذلك، فإن اختلفوا فالحق مع جمهورهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة.

ثالثا: أن الأصل في البشرية هو الخلاف، وأكثرهم على الضلال، ومع ذلك فهناك من يستجيب، {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين * إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} ، فالله - تعالى -خلق الناس على هذا الحال، ومعرفة ذلك يوطن النفس على التروي والصبر في الدعوة، والأمل الكبير في استنقاذ الهالكين:

فإن معرفة أنه لا يمكن جمع الناس على الهدى، وأن الله خلقهم مختلفين، وأن كثيرا منهم لن يؤمن، وأن هذا واقع لا يمكن نفيه، يهدئ النفس ويمنحها فرصة التفكير الصحيح والتعامل مع الأمور بقدرة وإيجابية أكبر، فالتعامل عن معرفة ليس كالتعامل عن جهل، والذي يوطن نفسه على أمر ليس كالذي يفاجأ به حينا.

ومعرفة أن هناك من يستجيب ضمن الجموع المختلفة والمخالفة يعطي الأمل في استنقاذ الناس من مصير مظلم، وهذا يدفع للصبر والمصابرة: الصبر في دعوة الناس، والمصابرة في دفع الظالمين بالطرق الشرعية، باتخاذ الحكمة والسياسة، لكسب المواقف وتحصيل النتائج الطيبة.

إن الأمل عنوان كل من يدعو إلى الله - تعالى -، فأحلى شيء على نفسه أن يهتدي إنسان، وأمرّ شيء على نفسه أن يضل إنسان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حُمْر النعم) [البخاري 2847]

ولما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطائف بعد أن خرج إليها يطلب النصير، لما فقده في مكة، فما لقي إلا التكذيب والإعراض والأذى، سألته عائشة - رضي الله عنها:

(هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟.

فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله - عز وجل - قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.

قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشيبن؟.

فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) [البخاري3059]

فهذا يقوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حق من هم كفار، فكيف بالمسلمين؟.

هذا وإن من الناس من لو جاءه ملك الجبال لدعاه أن يطبق جبال العالم على من فيه مسلمين وغيرهم، ممن لم يكن على نهجه ورأيه!!..

وهؤلاء هم طلاب حظوظ النفس، والمبتغي للإصلاح لا يمكن أن يكون طالب حظ الدنيا، بل يطلب حظ الآخرة.

نعم قد تأخذ المبتغي الإصلاح الغيرة والغضب لمحارم الله - تعالى -، حتى يعلن البراء من الكافر، كما قال - تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ..

وحينئذ يفرح بهلاكهم، كما قال - تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبكم} ..

نعم هذا يكون، لكن في حق من تبينت عداوته وجحوده، أما قبل ذلك فالصبر، كما قال - تعالى -عن إبراهيم: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} ..

فالتبريء آخر المراتب، وبعد استنفاذ كافة الأعذار، أما قبل ذلك فالصبر والدعوة بالتي هي أحسن..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت