فهرس الكتاب

الصفحة 1187 من 1236

قال - تعالى -عن نبيه - صلى الله عليه وسلم: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} ، وقال: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ..

فحال الأنبياء أنهم كانوا يأسفون ويحزنون إذا لم يلقوا استجابة، وهذه حلية الداعية، فهو رحمة للعالمين، قال - تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ..

وهذا الحال يوجب ويفرض على المتصدي للإصلاح ألا ينتصر لنفسه إذا ما أوذي في شيء، بل يصبر ويحتسب، ولا ينتقم، ولو كان مظلوما، فالشفقة والرحمة مقدمة على المعاقبة بالمثل، ولما دخل إلى مكة فاتحا: عفا عن جميع الذين آذوه وطردوه وأصحابه من مكة، وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ..

وكان بيده أن يقتص منهم، ويؤذيهم كما آذوه، ولم يفعل؛ لأن هدايتهم كانت أحب إليه من القصاص منهم، ولو كان يقصد حظ نفسه لانتقم منهم، لكن هذا يتنافى مع مهام المبتغي صلاح الناس..

فإن كثيرا من الناس لا يعرفون صدق الداعية إلا من خلال تضحيته، وصبره، وتجرده من حظ النفس، فإذا رأوه كذلك عدّوا ذلك من علامات صدقه، فكان سببا في اتباعه..

أما إذا رأوا فيه طلب حظ النفس، ولو كان شيئا حقا له، فإنهم لا يعذرونه، ويعدون ذلك من علامات النفاق والكذب وطلب العاجلة، فمن كان حريصا على هداية الناس، لم يجد طريقا لحصول ما يتمنى إلا بالصبر على ما يلقى، حتى يتبين لهم صدقه، وقاعدة ذلك والمعين عليه أن يكون منطلقه في دعوتهم هو الحرص والشفقة، فهو الذي يتولد عنه الحزن إذا أعرضوا، وإذا صار الحزن يملك قلب الداعي، فلن يجد الحقد وحب الانتقام والمعاملة بالمثل إليه سبيلا.

قال - تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} .

ثانيا: أن التكذيب والأذى هو ما يلقاه كل من يدعو إلى سبيل الله - تعالى -، {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} ..

فهو محتاج إلى الصبر، فيصبر على التكذيب، ويصبر على الأذى، والصبر معناه هنا:

عدم الاستعجال في هداية المكذبين، والنصر على الظالمين..

فإن لله - تعالى -سننا في الكون، وهو عليم بكل شيء، ولو شاء - سبحانه - لهدى الناس جميعا، ولو شاء لانتصر من الظالمين في لحظة، ولو فعل ذلك لما كانت الدنيا محل اختبار وتمحيص. إن التحلي بالصبر المطلق من أخص خصائص المبتغين الإصلاح:

* فيصبرون على إخوانهم الصالحين، إذا عارضوهم أو خالفوهم في رأي أو اجتهاد في مسائل شرعية تتعلق بواقع الأمة، مثل مسائل الجهاد والتعامل مع العدو المعتدي الكافر، ومسائل الدعوة وطرائقها، فيسمعون منهم، وينظرون في أدلتهم، ويطلبون من الله العون أن يهديهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ولا يستعجلون الحكم، ولا ينساقون وراء العاطفة والكلام الخطابي، بل يتجردون للدليل بفهم سلف الأمة، ويراعون أحوال العصر، فكثير من الأحكام الدعوية والجهادية تتغير وتختلف باختلاف حال المسلمين ضعفا وقوة، فحال تكون فيه الغلبة للمسلمين، ليست كحال الغلبة فيها للكافر، كالفرق الذي كان بين العهد المكي والمدني.

* ويصبرون على إخوانهم المسلمين، إذا ركبوا المعاصي، ويرجون لهم الهداية، ويعلمون أن الأمر بيد الله - تعالى -، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وأن الهداية من العاصي قريب، كما أن الطائع غير آمن على نفسه الغواية، فإذا علم هذا المصلح أنه معرض للفتنة والوقوع فيما وقع فيه هذا العاصي، حمله ذلك على الصبر على دعوته، ورحمته، رجاء أن يعافيه من المعصية، ورجاء أن لا ينقلب به الحال فيضل مثله.

* ويصبرون على الأمراء إذا أخطؤوا، ولم يعدلوا، ويدعون لهم بالصلاح والهداية، فإن صلاحهم فيه صلاح الناس وعز الحق، وفسادهم وضياع الأمة هلاكها، فمن الحكمة تخصيصهم بالدعاء والنصح، وإغراؤهم بعمل الخير، وحثهم على ذلك، والثناء عليهم إذا أحسنوا، ونصحهم إذا أخطؤوا، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه ابن عباس: (من كره من أميره شيئا فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) [البخاري 6646] .

وعن عبادة قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، في منشطنا مكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهل، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان) [6647]

فالصبر عليهم خير كله، يجلب المنفعة، ويدفع المفسدة أو يقللها.

* ويصبرون على دعوة الكفار إلى الإسلام، ويقدمون الدعوة على الجهاد، هذا في حال قوة المسلمين، وقدرتهم على الجهاد، أما إذا ضعفوا عن الجهاد بنوعيه: الطلب والدفع. أو ضعفوا عن جهاد الطلب دون الدفع: فما لهم إلا الصبر بدعوتهم إلى الإسلام. كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل في مكة، حيث كان مستضعفا هو ومن معه، فلم يؤمروا بجهاد لا طلبا ولا دفعا، بل أمروا بالصبر، مع ما كانوا عليه من التعذيب والحصار، يروى خباب بن الأرت، قال: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت