وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّى فِى حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ - وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ - فِى زَمَانِ الثَّمَرِ وَالنَّخْلُ قَدْ ذُلِّلَتْ فَهِىَ مُطَوَّقَةٌ بِثَمَرِهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلاَتِهِ فَإِذَا هُوَ لاَ يَدْرِى كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِى فِى مَالِى هَذَا فِتْنَةٌ. فَجَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ هُوَ صَدَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِى سُبُلِ الْخَيْرِ. فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فَسُمِّىَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ. (1)
عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ قَالَ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ - رضى الله عنه - فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا ، كَمَا قَالَهُ . قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِىءٌ . قُلْتُ « فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْىُ » . قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِى تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ . قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا . قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ . قَالَ إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا . قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ ، إِنِّى حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ . فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَابُ عُمَرُ (2)
(1) - موطأ مالك 100/1برقم (222 ) وفيه انقطاع =الحائط: البستان =المطوقة: المستديرة
(2) - صحيح البخارى برقم ( 525 )
فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 291)
فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَة الْخَاصّ . إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنْ فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ . وَمَعْنَى الْفِتْنَة فِي الْأَصْلِ الِاخْتِبَار وَالِامْتِحَان ، ثُمَّ اِسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْشِفُهُ الِامْتِحَانُ عَنْ سُوء . وَتُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ ، وَالْغُلُوِّ فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ ، وَعَلَى الْفَضِيحَةِ وَالْبَلِيَّة وَالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ الْحَسَنِ إِلَى الْقَبِيحِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة .
شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 268)
قَالَ أَهْل اللُّغَة: أَصْل الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الِابْتِلَاء وَالِامْتِحَان وَالِاخْتِبَار . قَالَ الْقَاضِي: ثُمَّ صَارَتْ فِي عُرْف الْكَلَام لِكُلِّ أَمْر كَشَفَهُ الِاخْتِبَار عَنْ سُوء . قَالَ أَبُو زَيْد . فُتِنَ الرَّجُل يُفْتَن فُتُونًا إِذَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَة ، وَتَحَوَّلَ مِنْ حَال حَسَنَة إِلَى سَيِّئَة . وَفِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله ، وَمَاله ، وَوَلَده ضُرُوب مِنْ فَرْط مَحَبَّته لَهُمْ ، وَشُحّه عَلَيْهِمْ ، وَشُغْله بِهِمْ عَنْ كَثِير مِنْ الْخَيْر ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة } أَوْ لِتَفْرِيطِهِ بِمَا يَلْزَم مِنْ الْقِيَام بِحُقُوقِهِمْ وَتَأْدِيبهمْ وَتَعْلِيمهمْ فَإِنَّهُ رَاعٍ لَهُمْ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته وَكَذَلِكَ فِتْنَة الرَّجُل فِي جَاره مِنْ هَذَا فَهَذِهِ كُلّهَا فِتَن تَقْتَضِي الْمُحَاسَبَة ، وَمِنْهَا ذُنُوب يُرْجَى تَكْفِيرهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إِنَّ الْحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات } .
شرح ابن بطال - (ج 3 / ص 194)
قوله: « فتنة الرجل في أهله وماله » يصدقه، قوله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] ، والمعنى في ذلك أن يأتى من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة، كالقُبْلة التى أصابها الرجل من المرأة وشبهها، فذلك الذى يكفرها الصلاة والصوم، ومثله قوله عليه السلام: « الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر » .
قال المهلب: قوله: « فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره » ، يريد ما يعرض له معهم من شرٍّ أو حزنٍ وشبه ذلك، وسأستقصى تفسير هذا الحديث وأزيد في البيان عن معنى الفتنة فيه في كتاب الصيام في باب الصوم كفارة، إن شاء الله، تعالى.
وإنما علم عمر أنه الباب؛ لأن الرسول كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال النبى: « اثبت حراء، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان » ، وفهم ذلك، رضى الله عنه، من قول حذيفة حين قال: بل يكسر الباب، قال غيره: ويدل على ذلك قوله: « إذًا لا يغلق » ؛ لأن الغلق إنما يكون في الصحيح، وأما المنكسر فهو هتك لا يجبر وفتق لا يُرقع، وكذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القيامة، وهى الدعوة التى لم يجب فيها عليه السلام في أمته، ولذلك قال: « فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة » .