بهذا الوصف يصف ابن القيم أهل الدنيا في زمانه، فما باله لو رأى أهل عصرنا الذي نعيش فيه؛ تنكر كثير من المسلمين لدينهم وانخدعوا بما زينه لهم شياطين الإنس والجن وراحوا ضحايا هذا التخبط والتيه في ظلمات الجهل بدينهم وبكتاب ربهم وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانوا من المثقفين والمتعلمين الذين نالوا أعلى الشهادات وتبوءوا أعظم المنازل والدرجات فإنما ذلك شأنهم في الدنيا وأما عن الآخرة فهم غافلون، وأما ما يفعله البعض الآن من القراءة علي المرضى وخاصة المرأة يقرأ عليها ويرقيها رجل من غير محارمها وربما كشف عن شيء من جسدها وما يترتب على ذلك من المفاسد التي تملأ السمع والبصر فهذا مما لا يقره دين ولا عقل، ولا يجوز للمسلمة التي تخشى الله - عز وجل - وتتقيه أن تذهب أو يذهب بها وليها إلى رجل ليقرأ عليها، فإن قراءة المعوذات وآية الكرسي يستطيعها كل مسلم، فإن كانت المرأة لا تستطيع القراءة فليقرأ عليها أحد محارمها، وأما التهاون في هذا الأمر فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية وخلقية، وربما أدَّى إلى ارتكاب الفواحش، وامتهان الدجل والشعوذة، فالمرأة المصابة الصرع في هذا الحديث لم تطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرقيها، ولا هو - صلى الله عليه وسلم - أرشدها إلى ذلك، بل طلبت أمرًا مشروعا وهو الدعاء، ومع ذلك أرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما هو خير لها من الدعاء، وهو الصبر لتنال جنة ربها.
نسأل الله - سبحانه وتعالى- أن يهدي ضال المسلمين وأن يشفي صرعاهم ومرضاهم، وأن يردهم إلى دينه ردًا جميلا إنه بهم رءوف رحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَعُودُهُ فِى نِسَاءٍ فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » (1) .
(1) - مسند أحمد برقم (27838) صحيح