وقال الحافظ ابن حجر في الفتح:"وفي الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله - تعالى - أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل. والله أعلم"
وأما قولها:"وإني أتَكَشَّفُ"بالتاء وتشديد الشين من التكشف، وبالنون الساكنة من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر.
قال الحافظ: وعند البزار من وجه آخر عن ابن عباس في نحو هذه القصة أنها قالت:"إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها".
وانظر أخي المسلم وتأمل، ولتتأمل نساء المسلمين في قوة يقين هذه المرأة وشدة حرصها على الجنة؛ فهي تختار الجنة مع صبرها على المرض مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرها بين الدعاء لها بالشفاء وبين الصبر فتختار الصبر على المرض وتعاني منه وتكابده وذلك في سبيل دخولها الجنة في الآخرة، ولكنها لم تصبر على التكشف، ولم ترض بانكشاف شيء من جسدها ولم تصبر عليه، مع أنها معذورة في ذلك إنما يحدث لها الانكشاف وهي مصروعة غير مدركة، والمريض ليس عليه حرج كما قال ربنا - جل وعلا: ولا على المريض حرج {النور: 61} ، ولكنها مع ذلك لم تصبر على التكشف، فما بال نساء المسلمين اليوم، يتكشفن بإرادتهن، بل تتفنن الواحدة منهن في التكشف وإظهار مفاتن جسدها للرجال من غير صرع ولا مرض، وليس لهن من عذر ولا بهن من جنون، ضاربات بأوامر الله - تعالى - وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - عُرض الحائط، وكأنهن لا يعرفن من الإسلام إلا اسمه، وكأنهن لا يؤمن بالله ولا برسوله ولا يصدقن كتابًا ولا سنة، وكأن وحي الله - عز وجل - الذي يتلى على مسامع القوم صباحًا ومساءً لا يخاطبهم رجالا ونساءً، وإنما يخاطب عالمًا آخر غيرهم، وهذا القرآن الذي يبث إليهم ولا يستمعون إليه ولا ينصاعون ولا يستجيبون له هو حجة الله - تعالى - عليهم وهو معروض عليهم ليلا ونهارًا، وهم معرضون عنه ولذلك كان هذا الشقاء والبلاء الذي يعيشه المسلمون قال - تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى {طه: 124-126} ، أو أن الأمر كما يقول ابن القيم - رحمه الله - تعالى: وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية؛ فتلقى الروحُ الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح له، وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا، ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يُفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة (يعني عند الموت) فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، والله المستعان.
وقال أيضا: وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نُصْبَ عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا يفيقون، وما أشد داء هذا الصرع، ولكن لما عمت البلوى به بحيث لا يُرى إلا مصروعا، لم يصر مستغربا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر والمستَغْرَب خلافه.
فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحيانا قليلة، ويعود إلى جنونه، ومنهم من يفيق مرةً ويُجَنُّ أخرى فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع، فيقع في التخبط. ا- هـ