فهرس الكتاب

الصفحة 1050 من 1236

يختلف المؤمن في موقفه من المقدور عن سائر البريّات ، فهو يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبة ، و هذا ما يحدوه لتسليم أمره ، و زمام قياده إلى ربّه الرؤوف الرحيم ، الذي وعد المؤمنين و المؤمنات بالتثبيت عند الشدائد و الملمّات .

{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [ إبراهيم: 27 ] .

و المؤمن باحتسابه الأجر فيما يلحقه من لأواء ، موعود بجزيل الأجر ، و عظم الجزاء ، و لذلك يتلقاه بتثبيت الله تعالى له ، راضيًا مطمئنًا ، و إن لم يكن يتمناه .

يقول مسروق الوادعي رحمه الله ( إن أهل البلاء في الدنيا إذا لبثوا على بلائهم في الآخرة إن أحدهم ليتمنى أن جلده كان قرض بالمقاريض ( [ من كتاب المحن ، لأبي العرب التميمي ، ص: 283 ] .

و في مقابل المؤمن الثابت كالطود الشامخ أمام نوائب الدهر ، صنف آخر من البشر لا يلوح له البلاء إلا و تنهار قواه ، و يهتز كيانه ، و لا يلبث أن يسقط في ما يعترض سبيله من فتن ، و هذا شأن المنافقين ، و من قالوا آمنّا بألسنتهم و لم يدخل الإيمان في قلوبهم .

فهم كخُشبٍ مسنّدةٍ ، لا حياة فيها و لا إيمان يقويها .

ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍ *** إنما المَيْتُ ميِّتُ الأحياء!

إنما المَيْتُ من يعيش كئيبًا *** كاسِفًا بالَهُ قليلَ الرجاء !

وكأن هؤلاء لم يستمعوا إلى قوله تعالى: { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } [ العنكبوت: 10 ] .

قال الشيخ العلامة محمد الأمين بن المختار الشنقيطي رحمه الله مفسرًا هذه الآية الكريمة: ( يعني أن من الناس من يقول: آمنا بلسانه فإذا أوذي في الله أي آذاه الكفار إيذائهم للمسلمين جعل فتنة الناس صارفة له عن الدين إلى الردة ، و العياذ بالله ، كعذاب الله فإنَّه صارف رادع عن الكفر و المعاصي ، و معنى فتنةَ الناس ، الأذى الذي يصيبه من الكفار ، و إيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة ) [ أضواء البيان: 6/462 ] .

و لعلّ من المناسب في ختام هذا الكلمات التذكير بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله ( ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء ) [ من كتاب المحن ، لأبي العرب التميمي ، ص: 283 ] .

و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

و صلى الله و سلّم و بارك على نبيّه محمّد و آله و صحبه أجمعين

د . أحمد عبد الكريم نجيب

عبيد بن عبد العزيز السلمي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله الله إلى الناس كافة ، خير من ابتلي وخير من صبر ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد:

فإن من أراد تحقيق أمور الدين جميعها ، من التوحيد والإيمان والإسلام والإحسان ، لا بد له من الابتلاء والفتنة ، كما قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 1 الم سورة العنكبوت الآية 2 أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ .

وجماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار ، وأصلها مأخوذة من قولك: فتنت الفضة والذهب ، إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد لسان العرب لابن منظور 13 / 317 ، وانظر القاموس المحيط 4 / 254 . .

والفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء ، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا ، وقد قال الله تعالى فيهما: سورة الأنبياء الآية 35 كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .

وللفتنة وجوه منها: الشرك والضلالة والنفاق والبلاء وعذاب الناس والحرق بالنار والصد والاستنزال والمعذرة والافتتان والإعجاب والقتل ، وقد ورد في القرآن دليل لكل وجه المفردات للراغب الأصبهاني: 371 . .

(1) - مجلة البحوث الإسلامية - (ج 38 / ص 188)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت