قال الحافظ ابن كثير [ في البداية و النهاية: 9 / 120 ، 121 ] : قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجهًا إلى دمشق ليجتمع بالوليد ، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة ، و كان مبدؤها هناك ، فظن أنها لا يكون منها ما كان ، فذهب في وجهه ذلك فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه ، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك ، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها أكلت رجله كلها إلى وركه ، و ربما ترَقَّت إلى الجسد فأكلته . فطابَتْ نفسُه بنشرها . و قالوا له: ألا نَسقيك مُرَقِّدًا حتى يذهب عقلك منه ؛ فلا تُحس بألم النشر ؟ فقال: لا ! و الله ما كنت أظن أن أحدًا يشرب شرابًا أو يأكل شيئًا يُذهِب عقله ، و لكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك و أنا في الصلاة ، فإني لا أحس بذلك ، و لا أشعر به . قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة ، من المكان الحي ؛ احتياطًا أنه لا يبقى منها شيء ، و هو قائم يصلي ، فما تضوّرَ و لا اختلَج ، فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رِجله . فقال: اللهم لك الحمد ، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا ، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت ، و إن كنت قد أبليت فلطالما عافيت ، فلك الحمد على ما أخذت و على ما عافيت . قال: و كان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد ، و كان أحبهم إليه ، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات ، فأتوه فعزَّوه فيه ، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذتَ منهم واحدًا و أبقيت ستةً ، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت ، و لئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت . فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة . قال: فما سمعناه ذكر رجله و لا ولده ، و لا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى ، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } [ الكهف: 62 ] ، فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ، و يُعزُّونه في رجله و ولده ، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه . فأنشد عروة في ذلك أبياتًا لمعن بن أوس يقول فيها:
لعمرك ما أهويت كفى لريبة *** و لا حملتني نحو فاحشة رجلي
و لا قادني سمعي و لا بصري لها *** و لا دلني رأيي عليها و لا عقلي
و لست بماش ما حييت لمنكر *** من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
و لا مؤثر نفسي على ذي قرابة *** و أوثر ضيفي ما أقام على أهلي
و أعلم أني لم تصبني مصيبة *** من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
فارض اللهم عن سلف ما انحطت لهم همة عن قمّة ، و اجعلنا من خيرة أتباعهم ، و اجمعنا بهم على ما يرضيك عنا ، بمنك و فضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين .
رابعًا: احتساب الأجر عند الله تعالى:
إن الله لا يظلم الناس شيئًا ، و لكن الناس أنفسهم يظلمون ، و من عدل الله تعالى في خلقه أن ينصف المظلوم و يكافئ المحروم .
فما من عبد يصاب فيحتسب إلا استحق البشارة بالأجر الجزيل و الخير العميم و لو بعد حين ، إنجازًا لما وعد الله به عباده في كتابه ، و على لسان نبيّه القائل: ( ما يصيب المسلم من هم و لا غم و لا نصب و لا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) رواه الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، و قد تقدم شرحه .
كما تقدم معنا أن الابتلاء عام في نزوله على بني البشر ، و هو من سنن الله الكونية التي لا مفر منها ، و لا قبل لأحد نحوها إلا بالرضا و الصبر و التسليم ، الذي أُمرنا به و نُدبنا إليه ، كما في قول ربنا تعالى: ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) [ آل عمران: 186 ] .
و إذا كان ( مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها ) ؛ فلن تكون عاقبة الجلد الصبور إلا إلى خير الأمور .
قد روى ابن ماجة و الحاكم و الترمذي ( بإسناد قال عنه: حسن غريب ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي أنه قال: ( أن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط ) .
و روى النسائي و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه من خطيئة ) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح .
و ما أبلغ ما قال الرافعي: ( ما أشبه النكبة بالبيضة ، تُحسب سجنًا لما فيها و هي تحوطه ، و تربيه و تعينه على تمامه ، و ليس عليه إلا الصبر إلى مدة ، و الرضا إلى غاية ، ثم تفقس البيضة ، فيخرج خلقًا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، و ما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته ) .
فطوبى للصابرين ، و العاقبة للمتقين .
المحور الخامس: خاتمة في موقف المسلم من الابتلاء: