طائفة أخرى من الناس تبتلى بالمصائب، تبتلى بالمصائب من عند الله جل وعلا بأنواع من المصائب إما بغرق يحيطهم من فوقهم من السماء وإما أن تزلزل الأرض من تحتهم، ثم إنهم إذا كانوا على نقص من الأموال ونقص في الأنفس ونقص من الثمرات فنظروا في حالهم فوجدوا أنهم مفرطون في أمر الله، مفرطون في حق الله، مفرطون في أعظم الحقوق لله، وهو توحيد الله بأن يظهر الشرك فيما بينهم ولا ينكرونه، وتظهر المحرمات ولا ينكرونها، يشيع الفحش والفجور ولا ينكر، بل يقر، ويتخلف الناس عن أداء فرائض الله، إذا كانت تلك الحال وأصابهم ما أصابهم من عذاب الله أو من الابتلاء من الله جل وعلا فقد يكون ذلك في حق البعض المؤمنين الذين أصيبوا في ذلك، يكون ابتلاء واختبارًا، وفي حق الذين تنكبوا عن صراط الله وعن دين الله وغَشَوا المحرمات والكبائر وما هو أعلى من ذلك يكون في حقهم عقوبة من الله جل وعلا كما أخبر الله جل وعلا عن قصة أصحاب الجنة فقد قالوا متعاهدين فيما بينهم: أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين [القلم:44] . حرموا الناس حقوقهم، فكانت تلك معصية في حقهم وكان ذلك مؤذنًا ببلاء من الله جل وعلا قال تعالى: فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين [القلم:19-21] . الآيات، حتى قالوا معترفين: يا ولينا إنا كنا طاغين لما ظلموا أصابتهم العقوبة، هذه هي طوائف الناس في المسلمين ممن ابتلوا بأنواع المصائب وممن ابتلوا بأنواع المسرات والخيرات، وهذه هي الأصول الشرعية إن أصابت المصائب المؤمنين فليصبروا وليحتسبوا، وإن أصابت من فرط في أمر الله فليعلم أن ذلك نوع من العقوبة يخوف الله به عباده المؤمنين كما أخبر عليه الصلاة والسلام لما كسفت الشمس في عهده قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا حياته ) ) (2) [2] وقال عليه الصلاة والسلام: (( يخوف الله بهما عباده ) ) (3) [3] ، (( إن الله ليغار أن يزني عبده، إن الله ليغار أن تزني أمته ) ) (4) [4] ، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان للأمة لكي تعلم أن الآيات موافقة لحكمة الله، وكون أن لها أسبابًا يعلمها بعض البشر لا ينافي أن فيها الحكمة البالغة من الله، فما من شيء يحدث إلا هو من الله موافق لحكمة الله، ماضٍ فيه أمر الله جل وعلا.
أيها المؤمنون اعتبروا في هذه الأصول الشرعية، كل بحسب حاله، من كان ذا نعمة فليشكر نعمة الله وليستقم على أمر الله، ومن كان ذا مصيبة فليتفكر في نفسه، إن كان مقيمًا على الإيمان فليصبر وليحتسب وليعلم أن ذلك زيادة في إيمانه واختبار لتصديقه ويقينه، ومن كان على ضد ذلك فليعلم أن تلك العقوبة يعاقب بها من خالف أمر الله فيها إما ابتلاء وإما عقوبة، نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا المكاره ما ظهر منها وما بطن وأن يجنبنا الفتن في أنفسنا وفيمن نحب وفي بلادنا وفي بلاد المسلمين عامة واسمعوا قول الله جل وعلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولنبولنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [محمد:31] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من جميع الذنوب والخطايا وأتوب إليه فاستغفروه حقًا وتوبوا إليه صدقًا إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة نزدلف بها إلى جنة الله وأشهد أن محمدًا رسول الله شهادة نقترب بها من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن بالتقوى فخاركم ورفعتكم وسعادتكم في هذه الدنيا وفي الآخرة العظمى، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
واعلموا رحمني الله وإياكم برحمته الواسعة أن الله جل جلاله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال قولًا كريمًا:إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
(1) صحيح ، أخرجه أحمد (4/145) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري ح (1042) ، ومسلم ح (901) عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم.
(3) أخرجه البخاري ح (1048) ، عن أبي بكرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري ح (1044) عن عائشة رضي الله عنها.
محمد بن مجدوع الشهري
جدة
جامع أبي هريرة
الخطبة الأولى
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1686)