فهرس الكتاب

الصفحة 1134 من 1236

ومن هنا نفهم أن حالات المصائب والرزايا تقرب الانسان الى الله تعالى، وتزيد من معرفته به. وهل هناك نعمة أكبر وأعظم من نعمة معرفة الله تبارك وتعالى، هذه النعمة التي تعد خير الدنيا والآخرة، وهل هناك نقمة أشد من نقمة الضلالة والغفلة عنه عز وجل ؟

وعند نزول المصائب لا يتعلق الانسان المؤمن بشئ غير الله، وهذا ما يقودنا الى التوجه نحو رب العزة دائمًا وأبدًا، وبذلك نتحدى المصائب. فهي عندما تلم بنا فاننا سنرفع رؤوسنا وأيدينا متضرعين، طالبين من الله تعالى أن يرفعها عنا، وييسر أمورنا. فهو القادر وحده على كشفها.

وعلى الانسان أن يستدل من خلال زوال المصائب عنه، وخلاصه منها، أن هناك قوة فوق هذه القوى، ألا وهي قوة الله تعالى.

وفي مثل هذه الظروف التي نمر بها يجدر بنا أن نزداد إيمانًا، وضراعة الى خالقنا من خلال إستغلال الدقائق والساعات والأيام في التوجه الى الله والتضرع إليه. فهو جل شأنه يباهي ملائكته بعبده المؤمن الذي يقوم من نومه، ويصلي له ركعات في جوف الليل، ويدعوه بأحسن الدعوات، ويتبتل إليه، ويعرض له حوائجه، فانه مجيب دعوة المضطرين، ونصير المظلومين.

التضرع هدف الإبتلاء

وتشير الآيات القرآنية السابقة الى أن المشاكل والمصائب كانت تتوالى على كل أمة من الأمم مع مجئ كل نبي مرسل إليها، الى درجة أن البعض كان يعترض على نبي زمانه بأنه لو كان حقًا نبيًا مرسلًا فلماذا كل تلك المصاعب والأزمات التي يمرّ بها ؟ إلاّ أنهم لوكانوا قد تبصروا في تلك المصاعب والأزمات لأدركوا أنها لم تنزل عليهم إعتباطًا، وإنما ضمن هدف وحكمة بالغة من الله سبحانه؛ منها إثارة عقل الانسان، وتنمية إرادته، وتوسيع أفقه، وبعث مواهبه، وإثارة حوافز الخير عنده.. ولذلك يقول تعالى في بيان فلسفة الابتلاء: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (.

إن حالة التضرع الى الله جل وعلا تمثل قمة سامقة في سماء الايمان، لا يبلغها إلاّ من تخلص من الأنانية والذاتية، وكل حالات الجهل والتخلف والعصبيات.

ومع ذلك فاننا لم نستطع بعد أن نصل الى مستوى الضراعة، ولذلك فان النصر لم يتنزل علينا. فنحن ما نزال مصرين على عاداتنا التي تشوبها بعض الصفات السلبية كالاستهزاء ببعضنا البعض، وعدم سيادة الاحترام فيما بيننا، وبخس حقوق الآخرين...

فلننبذ جانبًا هذه الصفات، ولنتضرع الى الله سبحانه وتعالى، ولو لفترة قصيرة لنرى كيف أن الله سوف يرأف بنا، وينزل علينا نصره.

ثم يقول تعالى مشيرًا الى تلك الفئة التي لا تعتبر من المصائب: (فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(.

فهناك البعض من الناس لم تنفعهم المصائب، لأنهم لم يعتبروا بها؛ فكلما نزلت بهم مصيبة كانت كأن لم تكن شيئًا مذكورًا، ونتيجة لذلك فقد أصبحت قلوبهم قاسية قد أحاطت بها الذنوب من جميع أرجائها.

إن مثل هذه الحالة تدعونا الى الحذر. فالأجدر بنا - إذن - أن نستغفر الله سبحانه وتعالى حال إرتكابنا أية معصية أو ذنب صغير. أمّا إذا لم يتضرع الانسان الى ربه، فان الله سيستدرحه بإنزال النعم الوافرة عليه، وحينئذ ينزل العذاب عليه بغتة، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر.

رغم إن الانسان قد زوّد بعقل يساعده على رؤية الحقائق وملامستها، إلاّ أنه - في نفس الوقت - أبتلي بحجب من الشرك تعطّل أجهزة البصيرة عنده عن العمل، الأمر الذي يحول دون رؤيتها.

وهناك الكثير منا يزعم أنه يعيش الحقائق بوعي، وإحساس دقيق، إلاّ أن هذا الزعم كثيرًا ما يشوبه الخطأ. فالغالبية العظمى من الناس لا يعيشون إلا ظلال الحقائق، ولعل البعض منهم يعيش أوهامًا يظن أنها هي الحقائق.

النموذج الأسمى

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين، والأولياء الصالحين، النموذج الأسمى لادراك الحقائق ورؤيتها. فعندما يخيم الليل بظلامه الدامس، تجد الناس يستوحشون منه، فيسارعون إلى فراشهم ليغطوا في نوم عميق حتى ينبلج الصباح. بينما النبي وأهل بيته ومن سار على نهجهم وهداهم يأنسون بظلام الليل، حيث يقضون الليالي في التبتل والتهجد والعبادة، ويتأملون السماء وما فيها من الآيات الربانية بقلوب منشرحة، وببصيرة نافذة.

ومن المعلوم إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان في أحسن تقويم، وزوده بالقدرة على النطق لكي يستطيع التفاهم مع أبناء جنسه، وجعل بينه وبين الخلق حاجات مشتركة. ولو عشنا الحقائق لأدركنا أن هذه الظواهر تمثل كتلة من مظاهر الجمال التي أنعم بها الخالق تبارك وتعالى على الانسان.

ومع ذلك فان الحجب لاتدع الانسان يتحسس مظاهر الجمال تلك، بل تفرض عليه أن يعيش في السلبيات، فلا يرى من الحياة إلاّ جانبها المأساوي السلبي. وهذه الحالة تدفع بالانسان عادة الى أن يسجن نفسه في زوايا ضيقة من هذا العالم الواسع دون أن ينفتح على آفاقه الرحبة، حتى أنك تراه يفقد علاقاته مع الآخرين بصورة تدريجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت