جاء شباب من أحد الدول إلى صاحب الفضيلة محمد الصالح العثيمين - رحمه الله - وقالوا: يا شيخ نريد منك اتصالا هاتفيا تلقي من خلاله محاضرة وإذ بالشيخ محمد يفعل ذلك ثم يبتلى أولئك النفر الذين كانوا سببا في هذه المحاضرة يبتلوا بأن يسجنوا..
فقال الشيخ محمد لأحد طلابه الذين هم من تلك الدولة: فلان سلم على الشيخ ابن باز (رحم الله الجميع) , وقل له: يسلم عليك محمد العثيمين ويقول لك: يا شيخ كلم الشيخ فلان في الدولة الفلانية عن الشباب فقد حصل كذا وكذا.
فجاء هذا الشاب من القصيم إلى الرياض وقال: أحسن الله إليك يا شيخ عبد العزيز يسلم عليك الشيخ محمد العثيمين ويقول: لعلك تشفع عند الشيخ فلان يكلم المسئولين في تلك الدولة لعلهم أن يخرجوا فلان وفلان وفلان الذين سجنوا الآن.
فقال الشيخ عبد العزيز - رحمه الله تعالى: ما عندي مانع أكتب ولكن أخشى عليهم أن يزيد أمرهم بلاء وأن يكثر عليهم الهم والغم وأن تكبر المسألة قال: فما العمل يا شيخ؟
قال الشيخ: هذه سنة الله للدعاة كما كانت للأنبياء من قبل عليهم - الصلاة والسلام - لكن الصبر والدعاء.
قال: أجل أحسن الله إليكم ادعوا الله لهم.
قال: فدعا الشيخ ابن باز لهم ثم دعا ثم دعا قال: فخرجت من مجلس الشيخ ابن باز واتصلت بتلك الدولة وأريد أن أقول أن الشيخ - رحمه الله - دعا لكم..
قالوا: نبشرك نبشرك لا تكمل تراهم طلعوا الآن الآن قال: والله ما سكت الشيخ من الدعاء إلا وقد خرج أولئك الدعاة من السجن..
الله أكبر.. انظر كيف استجاب الله لدعاء الشيخ ابن باز... وانظر في وقوف العلماء مع طلابهم..
من شريط أسباب الشفاء للشيخ عصام العويد.
سعود بن إبراهيم الشريم
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوى الله - عز وجل - التي هي معتصَم عند البلايا، وسلوان في الهمّ والرزايا.
واعلموا ـ حفظكم الله ورعاكم ـ أنّ الابتلاء سنّة ربّانية ماضية، هي مِن مقتضيات حكمةِ الله - سبحانه - وعدله، متمثِّلًا وقعُه بجلاء في الفقر والغنى والصحّة والمرض والخوف والأمن والنقص والكثرة، بل وفي كلّ ما نحبّ ونكرَه، لا نخرج من دائرة الابتلاء، يقول الله - تعالى: ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [الأعراف: 168] ، ويقول - سبحانه: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء: 35] ، يقول ابن عباس رضي الله - تعالى -عنهما: (نبتليكم بالشدّة والرخاء، والصحّة والسّقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطّاعة والمعصية والهدى والضلالة) [1] .
عبادَ الله، العاقل الحصيفُ يجب عليه حتمًا أن يوقنَ أنّ الأشياء كلَّها قد فُرِغ منها، وأنّ الله - سبحانه - قدّر صغيرها وكبيرَها، وعلم ما كان وما سيكون وأن لو كان كيف يكون، ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَيء) [الأنعام: 38] ، يقول الرسول: (( أوّلَ ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب، قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقاديرَ كلّ شيء حتى تقوم الساعة ) )رواه أبو داود [2] .
فالمقاديرُ ـ عبادَ الله ـ كائنة لا محالة، وما لا يكون فلا حيلةَ للخلق في تكوينِه، وإذا ما قدِّر على المرء حالُ شدّة وتنكَّظته الأمورُ فيجب عليه حينئذٍ أن يتّزرَ بإزار له طرفان: أحدهما الصبر والآخر الرّضا، ليستوفيَ كمالَ الأجر لفعله ذلك، فكم من شدّة قد صعُبت وتعذّر زوالها على العالَم بأسره ثمّ فُرِّج عنها بالسّهل في أقلَّ من لحظة، قيل للحسن: يا أبا سعيد، من أين أُتي هذا الخلق؟ قال: من قلّة الرضا عن الله، قيل: ومن أين أتي قلّة الرضا عن الله؟ قال: مِن قلة المعرفة بالله.
ولمّا جيء بسعيد بن جبير إلى الحجّاج ليقتلَه بكى رجلٌ فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال: لِما أصابك، قال سعيد: فلا تبكِ إذًا؛ لقد كان في عِلم الله أن يكونَ هذا الأمر ثمّ تلا: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ) [الحديد: 22] [3] .
وما يصيب الإنسانَ إن كان يسرّه فهو نعمةٌ بيّنة، وإن كان يسوؤه فهو نعمة أيضًا؛ إمّا مِن جهة أنه يكفِّر خطاياه ويُثاب بالصّبر عليه، وإمّا من جهة أنّ فيه حكمةً ورحمة لا يعلمها إلا الله، ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) [البقرة: 216] ، وصدق رسول الله إذ يقول: (( عجبًا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن ) )رواه مسلم [4] .
أيّها النّاس، إنّ البشرَ قاطبةً مجمعون إجماعًا لا خِداج فيه على أنّ الصحّة تاجٌ فوق رؤوس الأصحّاء لا يراه إلا المَرضى، وأنّ الصحّة والعافية نعمةٌ مغبون فيها كثيرٌ من النّاس.