الأمراض والأسقامُ ـ عبادَ الله ـ أدواء منتشرةٌ انتشارَ النّار في يابِس الحطَب، لا ينفكّ منها عَصر، ولا يستقلّ عنها مِصر، ولا يسلم منها بشرٌ ولا يكاد إلاّ من رحم الله؛ إذ كلّها أعراض متوقّعة، وهيهات هيهاتَ أن تخلوَ الحياة منها، وإذا لم يصَب أحدٌ بسيلِها الطامّ ضربَه رشاشها المتناثرُ هنا أو هناك، وثمانيةٌ لا بدّ منها أن تمرَّ على الفتى، ولا بدّ أن تجريَ عليه هذه الثمانية: سرور وهمٌّ واجتماع وفرقة ويسر وعسرٌ ثمّ سقم وعافية.
الأمراضُ والأسقام هي وإن كانت ذاتَ مرارةٍ وثقل واشتدادٍ وعرك إلا أنّ الباريَ جلّ شأنه جعل لها حكمًا وفوائدَ كثيرة، علمها من علمها وجهِلها من جهلها، ولقد حدّث ابن القيم - رحمه الله - عن نفسه في كتابه شِفاء العليل أنّه أحصى ما للأمراض مِن فوائدَ وحكم، فزادت على مائة فائدة، وقال أيضًا:"انتفاعُ القلب والرّوح بالآلام والأمراضِ أمر لا يحسّ به إلا مَن فيه حياة، فصحّة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها"انتهى كلامه - رحمه الله - [5] .
إنّ الابتلاءَ بالأمراض والأسقام قد يكون هبةً من الله ورحمة، ليكفّر بها الخطايا ويرفعَ بها الدرجات، فلقد استأذنتِ الحمّى على النبيّ فقال: (( من هذه؟ ) )قالت: أمّ ملدم وهي كنية الحمى، فأمر بها إلى أهلِ قباء فلقوا مِنها ما يعلم الله، فأتوه فشكَوا ذلك إليه، فقال: (( ما شئتم؟ إن شئتم أن أدعوَ الله لكم فيكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكونَ لكم طهورًا ) )، قالوا: يا رسول الله، أوَتفعل؟ قال: (( نعم ) )، قالوا: فدَعها. رواه أحمد والحاكم بسند جيد [6] . وقال: (( ما مِن مسلمٍ يصيبه أذًى من مرض فما سواه إلاّ حطّ الله به سيّئاته كما تحطّ الشجرة ورقَها ) )رواه البخاري ومسلم [7] . وقال رجل لرسول الله: أرأيتَ هذه الأمراضَ التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: (( كفارات ) )، قال أبي بن كعب: وإن قلَّت؟! قال: (( وإن شوكةً فما فوقها ) )رواه أحمد [8] . ولقد عادَ رسول الله مريضًا من وَعكٍ كان به، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (( أبشِر فإنّ الله - عز وجل - يقول: هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن في الدنيا، لتكونَ حظَّه من النار في الآخرة ) )رواه أحمد وابن ماجه [9] ، والوعك هو الحمّى.
فمِن هنا ـ عبادَ الله ـ نعلم النتائجَ الإيجابيّة التي يثمِرها المرض، ونعلم أنّ مذاقه كالصّبِر، ولكنّ عواقبه أحلى من الشّهد المصفى، فعلامَ إذًا يمذُل [10] أحدُنا من المرض يصيبه، أو يسبّه ويشتُمه، أو يعلّل نفسَه بليت وليت، وهل ينفع شيئًا ليت؟!
ألا فاعلموا أنّ رسولَ الله دخل على أمّ السائب فقال: (( ما لك ـ يا أمّ السائب ـ تُزَفزفين؟ ) )قالت: الحمّى لا بارك الله فيها، فقال: (( لا تسبِّي الحمّى، فإنّها تذهِب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبثَ الحديد ) )رواه مسلم [11] . ولقد أصابَ أحدَ السلف مرضٌ في قدمه، فلم يتوجّع ولم يتأوّه، بل ابتسمَ واسترجع، فقيل له: يصيبك هذا ولا تتوجّع؟! فقال: إنّ حلاوةَ ثوابه أنستني مرارةَ وجعه.
وبعدُ عبادَ الله، فلا يُظنّ ممّا سبق أنّ المرضَ مطلَب منشود، لا وكلاّ، فإنّه لا ينبغي للمؤمن الغرّ أن يتمنّى البلاء، ولا أن يسألَ الله أن ينزلَ به المرض، فلقد قال رسول الله: (( سلوا اللهَ العفوَ والعافية، فإنّ أحدًا لم يعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية ) )رواه النسائي وابن ماجه [12] . وقال مطرّف:"لأن أُعافى فأشكُر أحبُّ إليّ من أن أبتلى فأصبر" [13] .
ومِن هنا نعلمُ جيّدًا أنّ المرض ليس مقصودًا لذاته، وإنّما لما يفضي إليه من الصّبر والاحتساب وحُسن المثوبة وحمدِ المنعم على كلّ حال، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه الله:"المصائبُ التي تجري بلا اختيار العبدِ كالمرض وموتِ العزيز عليه وأخذِ اللصوص مالَه إنّما يثاب على الصّبر عليها لا على نفسِ ما يحدث مِن المصيبة، لكنّ المصيبةَ يكفَّر بها خطاياه، فإنّ الثواب إنّما يكون على الأعمالِ الاختيارية وما يتولّد عنها"انتهى كلامه [14] .
ومِن هذا المنطلَق ـ عباد الله ـ اجتمع الكافر والمسلم والبرُّ والفاجر في مصيبة المرض على حدّ سواء، وافترقا في الثمرةِ والعاقبة، ولا يسوّي بينهما في ذلك إلا أليغ [15] أرعن واقع فيما قال ابن مسعود - رضي الله عنه: (إنّكم ترونَ الكافرَ من أصحِّ الناس جسمًا وأمرضهم قلبًا، وتلقون المؤمن من أصحِّ النّاس قلبًا وأمرضِهم جسمًا، وايْمُ الله لو مرضَت قلوبُكم وصحَّت أجسامكم لكنتم أهونَ على الله مِن الجعلان) [16] . ودخل سلمان الفارسيّ - رضي الله عنه - على مريضٍ يعوده فقال له: (أبشِر فإنّ مرضَ المؤمن يجعله الله له كفّارة ومستعتبًا، وإنّ مرضَ الفاجر كالبعير عقله أهلُه ثمّ أرسلوه، فلا يدري لم عُقل ولم أرسِل) [17] .