فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 1236

عبادَ الله، إنّ الإسلامَ حينما يرغّب في الصبر على البلوى ويبيّن ما تنطوي عليه الأسقام من آثارٍ شافية وحكمٍ كافية فلا يفهم مخطِئ أنّه يمجّد الآلام ويكرِّم الأوجاعَ والأوصاب، إنّما يحمَد الإسلام لأهلِ البلوى وأصحابِ الأسقام رباطةَ جأشِهم وحسنَ يقينهم، ( مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ) [النساء: 147] .

اشتكى عروة بنُ الزّبير الآكلةَ في رِجله، فقطعوها من ركبته وهو صامِت لم يأنّ، وفي ليلته تلك سقَط ولدٌ له مِن سطحٍ فمات، فقال عروة:"اللهمّ لك الحمد، كانوا سبعةً مِن الولد فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ستّة، وكان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ثلاثًا، فإن كنتَ قد أخذتَ فلقد أعطيتَ، ولئن كنتَ قد ابتليتَ لقد عافيتَ" [18] ، فرحمَ الله عروة وغفر له، فلقد كان بعضُ المرض عندَه أهونَ من بعض، وبلاؤه أهونَ من بلاء غيره، فهان عليه مرضه، وهانت عليه بلواه، وهذا هو ديدنُ المؤمن، ينظر بعين بصيرته، فيحمد الله على أمرين: أوّلهما دفعُ ما كان يمكن أن يحدثَ من هُنيزةٍ [19] أكبر حيث علِم أنّ في الزّوايا خبايًا، وفي البَرايا رزايا، وثانيهما بقاءُ ما كان يمكِن أن يزولَ من صحّةٍ غامرة وفضلٍ جزيل، فهو ينظر إلى النّعمة الموجودة قبلَ أن ينظرَ إلى النّعمة المفقودة.

عباد الله، إنّ الأسقامَ إذا استحكمَت وتعقّدت حبالُها وترادفت حلقاتُها وطال ليلُها فالصّبر وحدَه هو العاصِم بأمر الله مِن الجزع عند الرّيَب، وهو الهداية الواقية من القنوط عند الكُرَب. فلا يرتاع المؤمن لغَيمة تظهر في الأفق ولو تبِعتها أخرى وثالثة، بيد أنّ الإنسان إبّان لَهيعته [20] يتجاهل الحقائقَ، فيُدهَش للصّعاب إذا لاقته، فيُنشِئ له مِن طبعه الجزوع ما يبغِّض إليه الصبرَ، ويجعله في حلقه مرَّ المذاق، فيتنَجنَج [21] ويضيق ويحاوِل أن يخرجَ من حالته على نَكَظ [22] ، فينسى قولَ خالقِه: ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) [الأنبياء: 37] .

واستمِعوا ـ يا رعاكم الله ـ إلى ما قصّه رسولنا عن مرَض أيّوبَ - عليه السلام -، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (( إنّ أيّوب نبيَّ الله لبثَ في بلائه ثماني عشرةَ سنة، فرفضه القريب والبعيد إلاّ رجلين من إخوانه، كانا من أخصّ إخوانه، كانا يغدُوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلَم والله، لقد أذنبَ أيّوب ذنبًا ما أذنبه أحدٌ من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرةَ سنة لم - يرحمه الله - فيكشف ما به، فلمّا راحا إليه لم يصبِر الرّجل حتّى ذكر ذلك له، فقال أيّوب: لا أدري ما تقول، غيرَ أنّ الله يعلم أنّي كنتُ أمرّ على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجِع إلى بيتي فأكفِّر عنهما كراهيةَ أن يُذكَر الله إلاّ في حقّ، ـ قال: ـ وكان يخرجُ إلى حاجتِه، فإذا قضى حاجتَه أمسكتِ امرأته بيده، فلمّا كان ذاتَ يومٍ أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيّوب في مكانِه: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص: 42] ، فاستبطأته فبلغته، فأقبلَ عليها قد أذهبَ الله ما به من البلاء، فهو أحسن ما كان، فلمّا رأَته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبيَّ الله هذا المبتلى؟ والله على ذلك ما رأيتُ أحدًا كانَ أشبهَ به منك إذ كان صحيحًا، قال: فإنّي أنا هو، وكان له أندران [23] : أندر القمح وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين، فلمّا كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتّى فاض، وأفرغت الأخرى على أندرِ الشعير الورق حتى فاض ) )رواه ابن حبان والحاكم وصححه الذهبي [24] .

فانظروا عبادَ الله، وانظروا ـ أيّها المرضى ـ إلى أيّوب وصبره، فلقد صدقتِ الحكمة ولقد صدق قائلها: الصبرُ صبرُ أيّوب، ثماني عشرة سنة وهو يتقلّب في مرضه لتكونَ عاقبة صبره يسرًا، وكثيرًا ما تكون الآلام طهورًا يسوقه الله بحكمتِه إلى المؤمنين الصّادقين لينزعَ منهم ما يستهوِي ألبابَهم مِن متاعِ الدنيا، فلا يطول انخداعُهم بها أو ركونهم إليها، ورُبّ ضارّة نافعة، بل كم من مِحنة محويّة في طيِّها مِنَح ورحماتٌ مطويّة.

اللهمّ إنّا نسألك العفوَ والعافية والمعافاةَ الدائمةَ في الدين والدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنّه كان غفّارًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فاتّقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ ثمّةَ أمورًا يجب أن يعرفَها المرضى.

فمنها البشرَى لكلّ مريض أعاقه مرضُه عن القيام بالسّنن والنوافل التي كان يواظِب عليها إبّان صحّته بأنّها مكتوبة له لا يضيع أجرُها، فقد قال رسول الله: (( إذا مرض العبد أو سافر كتِب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا ) )رواه البخاري [25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت