يؤكد الدكتور محمد المهدي أن زلزال جنوب شرق آسيا الأخير والمروع الذي مات فيه آلاف من الناس، هذا الزلزال أصاب منطقة انتشر فيها ما يسمى بالسياحة الجنسية حيث هرع الأوروبيون بالآلاف بحثا عن المتعة الجنسية الخاصة التي ربما تمنع قوانين بلادهم ممارستها مثل: مواقعة الأطفال الذكور أو الفتيات الصغار، وقد قام بعض الآسيويين بخطف الأطفال لاستخدامهم في هذا الغرض، كما قام بعض الناس ببيع أو تأجير أطفالهم وبناتهم للقوادين لاستخدامهم في هذه التجارة الآثمة والمخالفة للأعراف والقوانين والأخلاق كما هي مخالفة لكل الأديان السماوية. وهذا لا يعني أن كل من أصابهم الزلزال موصومون بهذا الأمر، ولكن حين يحل الانتقام أو ينزل البلاء تكون له أحيانا صفة العموم فيأخذ في طريقه أناسا لم يشاركوا في الإفساد بشكل مباشر إما لسكوتهم عن ذلك أو لابتلائهم وتعويضهم حسب حكمة الله ومشيئته التي لا يعملها إلا هو، وهذا لا يعني أن من أصيبوا بالزلزال هم أسوأ البشر ولا يعني أخذ موقف سلبي شامت أو متشف منهم، فكل هذا ضد مبادئ الرحمة والشفقة، ومن يفعله يكون أشبه بالطبيب الذي ينظر إلى المريض متشفيا لأن المريض لم يتبع نصائحه العلاجية أو لم يكن عند توقعاته من ناحية الحمية الغذائية. كما أن الرسالة المقصودة بالزلزال ليست قاصرة على من أصابهم فقط بل هي للناس عامة. والقرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على أن الله يعاقب عباده إذا تجبروا أو أفسدوا بشتى القوى والظواهر الطبيعية (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) ، ونذكر من هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ* وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) [القمر 1 - 5] ، وقوله تعالى (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة 5 - 8] ، وقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ) [الفيل 1 - 5] . والمصيبة تقع فتكون للمؤمنين ابتلاء (لتكفير ذنب أو رفع درجة) وتكون للكافر انتقام على ما جنت يداه ولكي تستريح الأرض ويستريح الناس من فساده.
ويتساءل د. محمد المهدي: ماذا يضير البشرية حين تعتقد بأن الزلزال - وهو ظاهرة طبيعية جيولوجية تنشأ عن حركة طبقات الأرض - له جانب آخر غيبي، خاصة أن هذا الجانب الآخر يستلزم صلاح الإنسان على وجه الأرض، وأن هذا الصلاح يعتبر جهدا وقائيا يمكن أن يقلل من حدوث الزلازل خاصة أنه لا توجد حتى الآن أي طريقة تنبيئية أو وقائية من الزلازل؟
وماذا يضيرنا لو أصلحنا أنفسنا وسلوكياتنا لكي تصلح معنا وبنا بيئة الأرض التي نعيش عليها سواء كان ذلك بدافع ديني (لدى المؤمنين) أو بدافع دنيوي (لدي الدنيويين) . ولماذا نلجأ إلى اختزال رؤانا للأحداث على الرغم من أن العلم الحديث قد أثبت للمؤمنين وغيرهم أن كل الظواهر تقريبا متعددة العوامل والمستويات؟
وبعد هذه التحليلات من عوام الناس، وتفسيرات علماء الشريعة، وعلماء الجيولوجيا، وعلماء النفس، هل يبقى الزلازل ظاهرة لا يمكن الوقوف على أسرارها؟ وهل دائما يجب أن تكون هناك رؤى متناقضة أم يمكن الجمع بين تلك الرؤى ما دام العقل يقبل هذا الجمع؟ وهل تفسير زلزال"تسوماني"يعيد الكرة بين الاختلاف الموهوم بين الدين والعلم، مع أن القرآن الكريم هو كتاب الله المقروء، والكون الفسيح هو الكون المنظور، وكلاهما من عند الله، فكيف يأتي لنا هذا الاختلاف؟.
همام عبد المعبود**
الدعاء أحد أسباب رفع البلاء
إن الناظر في كتاب الله المسطور -القرآن الكريم- وكتاب الله المنظور -الكون الفسيح- لينتهي إلى حقيقة مهمة وهي أن ثمة علاقة طردية بين ارتكاب الذنوب والغرق في المعاصي، من جهة، وبين ما يحل بالناس -فرادى وجماعات- من فتن ومحن وبلايا. وهذا ما يصدقه قوله تعالى:"وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ"، وقوله سبحانه:"ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ".