والإيتاء مستعار لتكوين الرّفعة في أربابها تشبيهًا للتكوين بإعطاء المعطي شيئًا لغيره .
والبلْو: الاختبار ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع } [ البقرة: 155 ] . والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنّفع بمواهب الله فيها وما يسرّه لها من الملائمات والمساعدات ، فالله يعلم مراتب النّاس ، ولكن سمّى ذلك بَلْوى لأنَّها لا تظهر للعيان إلاّ بعد العمل ، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات ، فهذا موقع لام التّعليل ، وقريب منه قول إياس بن قبيصَة الطائي
وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا لأعلم مَنْ جَبانها مِن شُجاعها
وجملة: { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } تذييل للكلام وإيذان بأنّ المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة { سريع العقاب } وصفة { لغفور } ليناسب جميع ما حوته هذه السّورة .
واستعيرت السّرعة لعدم التردّد ولتمام المقدرة على العقاب ، لأنّ شأن المتردّد أو العاجز أن يتريّث وأن يخشى غائلة المعاقَب ، فالمراد سريع العقاب في يوم العقاب ، وليس المراد سريعه من الآن حتّى يؤوّل بمعنى: كلّ آت قريب ، إذ لا موقع له هنا .
ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف ( سريع العقاب ) على موكِّد واحد ، وتعزيز وصف ( الغفور الرحيم ) بمؤكدات ثلاثة وهي إنّ ، ولام الابتداء ، والتّوكيد اللّفظي؛ لأنّ ( الرّحيم ) يؤكِّد معنى ( الغفور ) : ليُطمئِن أهل العمل الصّالح إلى مغفرة الله ورحمته ، وليَسْتَدعي أهلَ الإعراض والصدوف ، إلى الإقلاع عمّا هم فيه .
قال تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) } [العنكبوت/2-6]
قال القرطبي رحمه الله (1) :
قوله تعالى: { الم * أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } تقدّم القول في أوائل السور . وقال ابن عباس: المعنى أنا الله أعلم . وقيل: هو اسم للسورة . وقيل اسم للقرآن . { أَحَسِبَ } استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن . { أَنْ يُتْرَكُوا } في موضع نصب ب { حَسِبَ } وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه . و { أن } الثانية من { أَنْ يَقُولُوا } في موضع نصب على إحدى جهتين ، بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا . والجهة الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا } أَحَسِبُوا { أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قومًا من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمّار بن ياسر وياسر أبوه وسُميّة أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم . فكانت صدورهم تضيق لذلك ، وربما استنكِر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلِّية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا للمؤمنين وفتنة . قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر . وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك . وإذا اعتبر أيضًا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدوّ في كل ثغر .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4260)