فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 1236

الباب الثالث

صور من الثبات في القرآن والسنة

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

حقوق الطبع لكل مسلم

الباب الثالث

صور من الثبات في القرآن والسنة

قال تعالى: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) } [إبراهيم/9، 14]

قال القرطبي (1) :

قوله تعالى: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } النبأ الخبر ، والجمع الأنباء؛ قال:

أَلَمْ يَأْتِيكَ والأنباء تَنْمِي ... ثم قيل: هو من قول موسى . وقيل: من قول الله؛ أي واذكر يا محمد إذ قال ربك كذا . وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى . وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه الله في كتابه . وقوله: { والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } أي لا يحصي عددهم إلا الله ، ولا يعرف نسبهم إلا الله؛ والنّسابون وإن نَسَبوا إلى آدم فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم ، وإنما ينسبون البعض ، ويمسِكون عن نسب البعض؛"وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النّسابين ينسبون إلى معدّ بن عدنان ثم زادوا فقال: «كذب النسابون إن الله يقول: { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } » "وقد رُوي عن عُرْوة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بين عدنان وإسمعيل . وقال ابن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ: «لاَ يعلمهُمْ إِلاَّ اللَّه» : كذب النّسابون . { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } أي بالحجج والدلالات . { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليَعضُّوها غيظًا مما جاء به الرسل؛ إذ كان فيه تَسفيه أحلامهم ، وشتم أصنامهم؛ قاله ابن مسعود ، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد ، وقرأ: { عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ } [ آل عمران: 119 ] وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم . وقال أبو صالح: كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أَنِ اسكت ، تكذيبًا له ، وردًّا لقوله؛ وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . والضميران للكفار؛ والقول الأول أصحها إسنادًا؛ قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحق عن أبي الأحوص ( عن ) عبد الله في قوله تعالى: { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } قال: عَضُّوا عليها غيظًا؛ وقال الشاعر:

لو أنّ سَلْمَى أَبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ... ودِقَّةً في عظمِ ساقي ويَدي

وبُعْدَ أَهْليِ وجَفَاءَ عُوَّدِي ... عَضّتْ من الْوَجْدِ بأطرافِ اليدِ

وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران» مجوّدًا ، والحمد لله . وقال مجاهد وقَتَادة: ردّوا على الرسل قولهم وكذّبوهم بأفواههم؛ فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار . وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم؛ فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل . وقيل معناه: أَوْمأوا للرسل أن يسكتوا . وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم . وقيل: ردّ الرسل أيدي القوم في أفواههم .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2966)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت