فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 1236

وقيل: إن الأيدي هنا النِّعم؛ أي ردّوا نِعم الرسل بأفواههم ، أي بالنطق والتكذيب؛ ومجيء الرسل بالشرائع نِعَمٌ؛ والمعنى: كذّبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل . و «في» بمعنى الباء؛ يقال: جلست في البيت وبالبيت؛ وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض . وقال أبو عبيدة: هو ضرب مَثَل؛ أي لم يُؤْمنوا ولم يُجيبوا؛ والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردّ يده في فيه؛ وقاله الأخفش أيضًا . وقال القُتَبيّ: لم نسمع أحدًا من العرب يقول: ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به ، وإنما المعنى: عضوا على الأيدي حنقًا وغيظًا؛ لقول الشاعر:

تَرُدّون في فِيهِ غِشَّ الْحَسُو ... دِ حتى يَعَضَّ عليّ الأَكُفَّا

يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعضّ على أصابعه وكفّيه . وقال آخر:

قَد أَفْنَى أنَامِلَهُ أَزْمَةً ... فأضحَى يَعَضُّ عليَّ الْوَظِيفَا

وقالوا: - يعني الأمم للرسل { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أي بالإرسال على زعمكم ، لا أنهم أقرّوا أنهم أُرسلوا . { وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ } أي في ريب ومِرية . { مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ } من التوحيد . { مُرِيبٍ } أي موجب للرّيبة؛ يقال: أربته إذ فعلت أمرًا أوجب ريبة وشكًّا؛ أي نظنّ أنكم تطلبون الملك والدنيا .

قوله تعالى: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ } استفهام معناه الإنكار؛ أي لا شك في الله ، أي في توحيده؛ قاله قَتَادة . وقيل: في طاعته . ويحتمل وجهًا ثالثًا: أفي قدرة الله شك؟ا لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها؛ يدلّ عليه قوله: { فَاطِرِ السماوات والأرض } خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم ، لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة إلا له . { يَدْعُوكُمْ } أي إلى طاعته بالرسل والكتب . { لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } قال أبو عبيد: «مِنْ» زائدة . وقال سيبويه: هي للتبعيض؛ ويجوز أن يذكر البعض والمراد منه الجميع . وقيل: «مِن» للبدل وليست بزائدة ولا مُبعِّضَة؛ أي لتكون المغفرة بدلًا من الذنوب . { وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } يعني الموت ، فلا يعذبكم في الدنيا . { قالوا إِنْ أَنتُمْ } أي ما أنتم . { إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } في الهيئة والصورة؛ تأكلون مما نأكل ، وتشربون مما نشرب ، ولستم ملائكة . { تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا } من الأصنام والأوثان { فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } أي بحجة ظاهرة؛ وكان هذا مِحالًا منهم؛ فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات .

قوله تعالى: { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } أي في الصورة والهيئة كما قلتم . { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي يتفضّل عليه بالنبوّة . وقيل؛ بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية . وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه .

قلت: وهذا قول حسن؛ وقد خرّج الطبريّ من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذرّ: يا عمّ أوصني؛ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال:"ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده وما منّ الله تعالى على عباده بمثل أن يُلهمهم ذِكره". { وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ } أي بحجة وآية . { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بمشيئته ، وليس ذلك في قدرتنا؛ أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته؛ فلفظه لفظ الخبر ، ومعناه النفي ، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه . { وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } تقدّم معناه .

قوله تعالى: { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و «لَنَا» الخبر ، وما بعدها في موضع الحال؛ التقدير: أيّ شيء لنا في ترك التوكل على الله . { وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته ، وينجي من سخطه ونقمته . { وَلَنَصْبِرَنَّ } لام قسم؛ مجازه: والله لنصبرن { على مَآ آذَيْتُمُونَا } به ، أي من الإهانة والضرب ، والتكذيب والقتل ، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } . ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت