لأن (الله - سبحانه - يساعد من يجاهد للهدى:(( والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ) [العنكبوت: 69] ، وأنه يغيير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] ،، وأن هناك علاقة بين الجهد البشري الذي يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والصلاح والفلاح، وأن إرادة الله هي الفاعلة في النهاية، وبدونها لا يبلغ الإنسان بذاته شيئًا، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد عونها ويجاهد في الله ليبلغ رضاه. وقدر الله - مع هذا كله - هو الذي يحيط بالناس والأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء، ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء) (20) .
فتدبر دور قدر الله - سبحانه - في ناموس التغيير التاريخي، والتحول الحضاري، وهو دور لا يلغي دور البشر؛ بل يضبط حركته الإيجابية، فيتوافق ويتناغم معه.
ركيزة التجميع:
الاهتمام بدور الإرادة الربانية: لقد أمر الحق - سبحانه - الخليل - عليه السلام - أن يحدد الغاية المرادة من إقامة هذا البيت: (( أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ) [الحج: 26] ، (( وعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ) [البقرة: 125] .
أي أن يقوم هذا العمل العظيم الخالد على التوحيد الخالص، فيبنى البيت الحرام على اسمه - تعالى - وحده، وأن يُطهر من الشرك بلا إله إلا الله، ويكون خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، أولئك الذين يأتون من غربة، والمقيمون فيه، والمصلون.
من هذه اللمحة التاريخية، نعلم أن القضية العظيمة التي أرادها الحق - سبحانه - وذلك بعد أن بين مكان البيت باعتبارها نقطة انطلاق هي توحيده - سبحانه -..
فالتوحيد هو الأمر الرباني، الذي من شأنه أن يجمع البشر، كل البشر، ويوحد الناس، كل الناس.
كانت البداية هي أن تنبعث تلك الفكرة العظيمة، من قلب رجل عظيم، فيتحرك بها، ويحرك بها غيره.
وهذه هي سنة الله - عز وجل - في نشوء الأعمال العظيمة، بل وفي بناء الحضارات الإنسانية.
وهو دور الفكرة، والمنهج في التغيير الحضاري، وناموس الحركة التاريخية.
فالأفكار لها أهميتها، ووظيفتها الحتمية في بناء الحضارة الإنسانية.
وذلك لأن)أية أمة من الأمم لا بد أن تنطلق في دربها الحضاري من مجموعة من الأفكار، وسلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار، ولهذا السبب نجد أن المجتمعات تسمو وتنمو أو تنحط أو تبيد تبعًا لطبيعة الأفكار التي يعتنقها أبناؤها، والفكرة لا بد لها - لكي تفعل فعلها - من جهد بشري مكافئ يترجمها إلى فعل. ولا بد من عامل ثالث مكمل لهما، وهو أن تكون الفكرة قابلة للتنفيذ العملي، أي أن تكون موافقة لسنة أو قانون من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق (( 21) .
الهوامش:
(1) أخرجه مسلم في الصلاة (406) .
(2) فقه السنة: سيد سابق، طبعة دار الكتاب العربي، 1 /153.
(3) نظرات في أحسن القصص: د. محمد السيد الوكيل، 1/185 - 186 بتصرف.
(4) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي: مالك بن نبي طبعة دار الفكر، 26 - 40 بتصرف.
(5) في الحديث الذي رواه مسلم /ح. /3005، وأحمد (23413) ، والترمذي (3340) .
(6) نور اليقين في سيرة خير المرسلين: الخضري 27 - 28 بتصرف.
(7) رواه الترمذي، ح. / 2517 عن أنس وسنده حسن.
(8) رواه البخاري، ح. /3364.
(9) زاد المعاد، ابن القيم، 3/33.
(10) البخاري، ح. / 7405، ومسلم، ح. /2675.
(11) صفوة الصفوة: ابن الجوزي: 1 /310 - 311.
(12، 13) البخاري، ح. / 4418.
(14) صحيح القصص النبوي: د. عمر الأشقر طبعة دار النفائس، 46.
(15) تهذيب رجال دمشق: ابن عساكر، 8/164.
(16) رسائل الثعالبي: الثعالبي، 81.
(17) بهجة المجالس وأنس المجالس، 1 /321.
(18) القيادة: جاسم المهلهل، 16.
(19) صحيح البخاري، 8/ 130.
(20) هذا الدين: سيد قطب، 64 - 65 بتصرف.
(21) أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، د. أحمد محمد كنعان، 31 32 بتصرف.
مجلة البيان، العدد (139-140) ، ربيع الأول - ربيع الثاني 1420، يوليو - أغسطس 1999.
د. حمدي شعيب
في الحلقة الأولى وقف الكاتب مع قصة إبراهيم - عليه السلام - وأحداثها سواءً مع ابنه وزوجه أو أبيه وقومه؛ يقتبس الدرس تلو الدرس، والعظة بعد العظة مفصلًا الكلام مع كل وقفة. وفي هذه الحلقة يستكمل الكاتب باقي الوقفات.
الشرط الكمي ... الجماعية: