والمصائب التي يبتلي الله بها عباده كثيرة؛ من فقر ومرض وتعب وعنت وموت، وهي قدر محتوم يعم المؤمن والكافر والبر والفاجر، والقصد منها الاختبار والابتلاء ليميز الله الخبيث من الطيب.
قال - تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" {الحديد:22،23} .
المصائب المكفرة
1-المصائب بسبب الذنوب: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير {الشورى: 30} ، من يعمل سوءا يجز به {النساء: 123} .
2-المصائب قدر محتوم ينبغي التسليم له:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" {الحديد: 22-23} ."ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم" {التغابن:11} .
3-وجوب الصبر على المصائب لأنها ابتلاء من الله - تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" {البقرة: 153- 157} .
4-المصائب كفارات للذنوب: عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكُها". (البخاري 5640) .
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكُها، إلا كفر الله بها من خطاياه". {البخاري 5641} .
والكفارة: صيغة مبالغة من التكفير، وأصله التغطية والستر، والمعنى أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض، وسائر المصائب.
قال - تعالى:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" {النساء:123-124} .
والمعنى أن كل من يعمل سيئة يجازى بها إما في الدنيا أو الآخرة، والمرض والمصائب يكون جزاءً للسيئات، وكفارة لها. ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها.
أخرج أحمد وابن حبان عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية، فقال: إنا لنجزى بكل ما عملناه؟ هلكنا إذن. فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه.
وأخرجا أيضًا عن أبي بكر قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال:"غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تحزن؟"قال: بلى. قال:"هو ما تجزون به".
وروى مسلم عن أبي هريرة: أن هذه الآية لما نزلت بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها".
هل المصائب كفارة بنفسها أم بالصبر عليها؟
قال العز بن عبد السلام:"إن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا". وقال القرطبي في المفهم مثل ذلك.
وقال القرافي:"المصائب كفارات جزمًا، سواءً اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا كان التكفير أعظم".
وقال ابن حجر: والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصائب ذنب عُوِّض عن ذلك من الثواب بما يوازنه.
وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفكُّ غالبًا عن ألم بسبب مرض أو همّ أو نحو ذلك، وإن الأمراض والآلام والأوجاع؛ بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له، وقد ورد في الحديث:"ما من مسلم يصيبه أذى- شوكة فما فوقها- إلا كفَّر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها". (البخاري 5648) .
هل المصائب تكفّر جميع الذنوب؟
ظاهر النصوص يفيد ذلك، ولكن أكثر العلماء جعلوا ذلك خاصّا بالصغائر، أما الكبائر فلا بد فيها من التوبة النصوح، واستدلوا بحديث:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر".
والراجح أن الحسنات الماحية ومنها الصبر على القضاء والرضا به توضع في كفة الحسنات، وذلك في مقابلة الذنوب التي توضع في كفة السيئات، فإما أن ترجح بها وإما أن تعادلها.
والحسنات توضع متضاعفة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئات توضع منفردة.
وربما تعظم الحسنة الواحدة فتطيش بها سجلات عظيمة من الذنوب كما في حديث البطاقة عند أحمد والترمذي.
والله أعلم.