فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 1236

قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) [الفجر/6-15] }

قال السعدي (1) :

يقول تعالى: { أَلَمْ تَرَ } بقلبك وبصيرتك كيف فعل بهذه الأمم الطاغية، وهي { إِرَمَ } القبيلة المعروفة في اليمن { ذَاتِ الْعِمَادِ } أي: القوة الشديدة، والعتو والتجبر.

{ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي: مثل عاد { فِي الْبِلادِ } أي: في جميع البلدان [في القوة والشدة] ، كما قال لهم نبيهم هود عليه السلام: { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .

{ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ } أي: وادي القرى، نحتوا بقوتهم الصخور، فاتخذوها مساكن، { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَاد } أي: [ذي] الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تثبت الأوتاد ما يراد إمساكه بها، { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ } هذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال:

{ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ } وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم، أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبًا وسوط عذاب، { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } لمن عصاه (1) يمهله قليلا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

وقال الرازي (2) :

المقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى: { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد } فقال الليث: الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوبًا . وزاد الفراء يجيب جيبًا ويقال: جبت البلاد جوبًا أي جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس: كانوا يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتًا وأحواضًا وما أرادوا من الأبنية ، كما قال: { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا } [ الأعراف: 74 ] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود ، وبنوا ألفًا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله: { بالواد } قال مقاتل: بوادي القرى .

وأما قوله تعالى: { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتاد } فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص ، ونقول: الآن فيه وجوه أحدها: أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها: أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها: ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر:

في ظل ملك راسخ الأوتاد ... ورابعها: روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى: { الذين طَغَوْاْ فِي البلاد } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 923)

(2) - تفسير الرازي - (ج 17 / ص 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت