فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 1236

المسألة الثانية: أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعًا على ( الإخبار ، أي ) هم الذين طغوا أو مجرورًا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون المسألة الثالثة: { طَغَوْاْ فِي البلاد } أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى: { فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد } ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى: { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } واعلم أنه يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال القاضي: وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: إن عند الله أسواطًا كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن قيل: أليس أن قوله تعالى: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بما كسبوا مَّا تَرَكَ عَلى ظهرها من دَابَّةٍ } [ فاطر: 45 ] يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ قلنا: هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } تقدم عند قوله: { كَانَتْ مِرْصَادًا } [ النبأ: 21 ] ونقول: المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه ، وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها: قال الحسن: يرصد أعمال بني آدم وثانيها: قال الفراء: إليه المصير ، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين والكافرين ، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار ، أو بوعيد العصاة ، أما الأول فقال الزجاج: يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب ، وأما الثاني فقال الضحاك: يرصد لأهل الظلم والمعصية ، وهذه الوجوه متقاربة .

وفي التفسير الوسيط (1) :

الاستفهام في قوله: { أَلَمْ تَرَ . . } للتقرير ، والرؤية: علمية ، تشبيها للعلم اليقينى بالرؤية في الوضوح والانكشاف ، لأن أخبار هذه الأمم كانت معلومة للمخاطبين .

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية ، لكل م نشاهد آثار هؤلاء الأقوام البائدين . .

والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا الاسم ، والتى كانت تسكن الأحقاف ، وهو مكان في جنوب الجزيرة العربية ، معروف للعرب ، قال - تعالى -: { وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } سموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن عُوص ، بن إرم ، بن سام ، بن نوح - عليه السلام - فقوله - تعالى -: { إرم } عطف بيان لعاد ، لأنه جده الأدنى .

وقوله - تعالى -: { ذَاتِ العماد } صفة لعاد ، و"ذات"وصف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة ، سمى أولاده باسمه ، كما سمى بنو هاشم هاشما .

والمقصود بهذه القبيلة عاد الأولى ، التى أرسل الله - تعالى - إليهم هودا - عليه السلام - . وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة أجسامهم . . وقد جاء الحديث عنهم كثيرا في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى -: { فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . } وقوله - سبحانه -: { التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } صفة أخرى لقبيلة عاد .

والمعنى: لقد وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - بصورة يقينية ، خبر قبيلة عاد ، التى جدها الأدنى"إرم بن سام بن نوح""والتى كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ، ترفع عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة . . والتى لم يخلق مثلها - أى: مثل هذه القبيلة - أحد في ضخامة أجسام أفرادها ، وفى قوة أبدانها ، وفيما أعطاها الله - تعالى - من غنى وقوة ."

قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى -: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ العماد . التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } هؤلاء كانوا متمردين عتاة . . فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم .

وهؤلاء عم عاد الأولى ، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم الذين أرسل الله إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم الله - تعالى - .

فقوله: { إِرَمَ ذَاتِ العماد } لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشَّعر التى ترفع بالأعمدة الشداد .

وقال ها هنا: { التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } أى: القبيلة التى لم يخلق مثلها في بلادهم ، لقوتهم وشدتهم ، وعظم تركيبهم .. فالضمير فى { مثلها } يعود إلى القبيلة .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4499)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت