فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 1236

ومن زعم أن المراد بقوله: { إِرَمَ ذَاتِ العماد } مدينة إما دمشق أو الاسكندرية . . ففيه نظر . . لأن المراد إنما هو الإِخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وليس المراد بالإِخبار عن مدينة أو إقليم . وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى -: { إِرَمَ ذَاتِ العماد . . . } مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة . . فهذا كله من خرافات الإِسرائيلين . .

وقوله - تعالى -: { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد . وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } معطوف على ما قبله . والمراد بثمود: القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم الله - تعالى - .

وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح .

وقوله: { جَابُواْ } بمعنى قطعوا . من الجوب بمعنى القطع والخرق ، والصخرة الحجارة العظيمة .

والواد: اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى: بالمكان الذى كانوا يسكنونه .

فقوله: { بالواد } علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادى القرى ، وقد قال - تعالى - في شأنهم: { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا فَارِهِينَ } والمراد بفرعون هنا: هو وقومه . والمراد بالأوتاد: الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد .

قال الآلوسى: وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها في منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها . .

وقال بعض العلماء: ووصف فرعون بذى الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التى بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد: التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أى: ذى القوة . .

وقال صاحب الظلال: { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، فرعون الطاغية الجبار ، الذى أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - . .

والمعنى: لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جدها إرم بن سام بن نوح ، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتى لم يخلق في بلادها مثلها في القوة والغنى .

وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها والعساكر الذين يشدون ملكه .

و { الذين طَغَوْاْ فِي البلاد } فأفسدوها ، وتجاوزوا كل حد في العصيان والظلم .

{ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا } أى: في البلاد { الفساد } عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا: { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } أى: فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم ، أن أنزل ربك عليهم ، نوعا عظيما من العذاب المهين .

والسوط: آلة تتخذ من الجلود القوية ، يضرب بها الجانى ، وإضافتها إلى العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أى: فصب عليهم ربك عذابا ."سوطا"أى: كالسوط في سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ .

وعبر - سبحانه - على إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإِفراغ لما في الظرف بقوة - للإِيذان بكثرته وتتابعه .

وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشئ باسم آلته .

قال صاحب الكشاف: وذكر السوط . إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به .

وعن عمر بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها . .

وقوله - سبحانه -: { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } تذييل وتعليل لإِصابتهم بسوط عذاب .

والمرصاد في الأصل: اسم للمكان الذى يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شئ ما .

والمراد: إن ربك - أيها الرسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه ، ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شئ في الأرض أو السماء .

وفى هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم في جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا في طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

يجوز أن يكون التعريف في { البلاد } تعريف العهد ، أي في بلادهم والجمع على اعتبار التوزيع ، أي طغت كل أمة في بلادها .

و { الفساد } : سوء حال الشيء ولحاق الضر به قال تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } [ البقرة: 205 ] . وضد الفساد الصلاح قال تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف: 56 ] وكان ما أكثروه من الفساد سببًا في غضب الله عليهم ، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 16 / ص 248)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت