ويظلم البعض أنفسهم، ويظلمون شركاءهم بالخضوع لضغوط الأهل والأصدقاء، وتحريضهم بإساءة معاملة الطرف الأخر، أو عدم الصبر عليه، ومنحه وقتا كافيا، حتى يحدث الإنجاب أو الرضا به، بدون إنجاب والقبول بباقي مزاياه.
ويتطور الأمر عند بعضهم إلى حد كراهية اللقاء الزوجي، وحرمان الطرف الآخر منه، بدعوى أنه لا جدوى منه (الإنجاب) ، مما يوقعه في إثم حرمان شريكه من حقوقه الزوجية، فضلا عن إيلامه نفسيا، وهو ما يتناقض مع قول رسولنا الحبيب:"خير المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده".
كما نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون المسلم إمعة، يردد ما يقوله الآخرون دون تدبر، ولذا نتمنى أن يحمي إخواننا وأخواتنا أنفسهم من (السموم) التي يوجهها البعض إليهم، وأن يطردوها أولا بأول، وأن يتجاهلوا تلميحات الشماتة أو الإشفاق، وأن يهتموا بتنمية إيمانهم وتبني الشعار القائل:"لن أفرح أو أحزن إلا على ما ينير لي قبري".
وفي تبني هذا الشعار الخلاص من كل هذه المعاناة، وبه يسمو من يخضع للاختبار على ألمه، ويفوز بأجر الصابرين، ويحمي نفسه من التفكير الطويل في مشكلته، ويفوض أمره للخالق، وكله يقين أنه عز وجل يدخر له الخير، فلو اطلع الإنسان على الغيب لاختار الواقع.
وكلما زارته هواجس الألم، يسارع بطردها بترديد الآية الكريمة: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
وعليه تذكر أن بعض الأنبياء قد اختبروا بتأخر الإنجاب، وكذلك بعض أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن لم تنجبن، ويتدبر الآية الكريمة: {للَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أو يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} .
والمؤمن الذكي هو الذي لا يعطل حياته عند تعرضه لأي اختبار، مهما كان صعبا، ويحترم نعمة الحياة، ويعرف أنه سيُسألُ عن عمره فيم أنفقه، ويحاول الاشتغال والتشاغل بتنمية جوانب حياته الدينية والدنيوية، إرضاءً للرحمن.
وكلما أحس بالضعف يتسلل إلى إيمانه، وبنقصان مساحة الرضا في حياته يفعل ما أوصى ابن القيم حيث قال: (في القلب شعث -أي تمزق- لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفي القلب خوف وقلق، لا يذهبه إلا الفرار إلى الله
نابلس- سليمان بشارات- 05/03/2006
الشيخ حامد البيتاوي
الداعية المسلم هو إنسان كغيره من الناس، ويتعامل مع الحياة كما يتعامل معها الآخرون، وحياته كحياتهم، يأكل ويشرب وينام، لكنه ملزم بأمور تميزه عنهم، فهو القدوة والقائد، لذلك يجب أن يتحمل ما لا يتحمله غيره.
ولو اخترنا الجانب الاقتصادي الذي يمر به الإنسان لوجدنا أن هذا الجانب هو من أهم دعائم المجتمع ومقوماته، والدعوة أيضًا تسير على هذه الدعائم، فمن غير المعقول أن تسير سيارة بدون وقود، ولكن طبيعة هذا الوقود تختلف أيضًا.
ولو أخذنا مدى تأثر الدعوة بشكل عام بالضغوط الاقتصادية التي تحيط بها، ومدى تأثر الداعية كشخص أيضًا بهذه الظروف، لوجدنا أنه يجب التركيز على عدد من القضايا الأساسية التي من خلالها يمكن أن نتكلم عن هذا الأثر.
اختيار الموضوع قد يتأثر
الداعية حين يختار الموضوع الذي يريد أن يتحدث فيه، يكون قد اطلع بشكل كلي على ما يدور حوله، وحدد النقاط الأساسية التي سيأخذها في الحسبان عند خطابه، لذلك فإن تناوله للموضوع يكون بناء على أسباب وتداعيات تملي عليه مناقشة هذا الموضوع.
لكن يبقى الشيء الذي يجب أن يعرفه الشخص: ما مدى خضوع شخصية الداعية لبعض الضغوط المحيطة في التأثير على موضوع الخطاب أو حتى على الأسلوب الذي يُقدَّم به الخطاب؟ وهل يمكن أن يُطبَّق عليه المثل العربي القائل:"أطعم الفم تستح العين"، هذا المثل الذي يعبَّر به عن استخدام بعض المغريات المادية مع شخص ما لإجباره على السكوت أو القبول ببعض الأمور؟.
الأستاذ غسان بدران -المحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية- يرى أنه لا شك في أن الضغوط الاقتصادية لها أثر على الداعية، فهو جزء من المجتمع يتأثر بما يتأثر به الآخرون، ويرى بدران أن هذا الأثر يختلف من شخص إلى آخر.
كما يعتبر بدران أن هناك عددًا من الدعاة والخطباء قد يضطر إلى ترك عمله بسبب الوضع الاقتصادي الذي يحيط به، ويقول:"قد يتوقف الداعية عن دعوته لانشغاله بتحصيل الرزق، ولكن الذي يستمر في الدعوة قد يتأثر بها (الضغوط الاقتصادية) أولًا وأخيرًا".
ويرى بدران أن اختيار الموضوع يجب أن لا يخضع لأهواء جهة أو شخصية معينة، وإنما الظروف المحيطة وما تطلبه المصلحة العامة هي التي تفرض على الداعية اختيار هذا الموضوع.