أيها المؤمنون: إن مما ينبغي أن يدركه كل مؤمن أنه مكلف ومطالب أن يقوم بواجب وأمان حمل هذا الدين وتبليغه ونشره، كل بوسعه وعلى قدر جهده وطاقته وعلمه ومكانته التي أعطاه الله إياها، فالأب مؤتمن على من يعول من الأبناء والزوجات والأقارب، والمعلم مؤتمن على طلابه، والمدير مؤتمن على أفراد إدارته، فانه لن يقوم بفكاك رقبتك أيها العبد يوم القيامة إلا ما قدمت تجاه من اؤتمنت عليهم.
فيا من احتمل هذه الأمانة قل لي بربك من تراه يقوم مقامك ويخلصك من ثقلك، وكل إنسان يسعى لفكاك نفسه وتخليص رقبته من الأثقال، ثم ليعلم أن من يأنس في نفسه قدرة على الحفظ أو التفقه أو الدعوة أو الإصلاح من خلال منبر أو موقع أو مسئولية أنه ينبغي أن لا يتخلى عنها إيثارًا للسلامة أو طلبًا للعاجل أو انكفاء على نفسه، بل عليه أن يبلغ دين رب العالمين وأن ينجو من لجام النار المتوعد به من كتم علمًا.
واعلموا عباد الله أن كل نعمة منحها الله لعبده هي ابتلاء يسأل عنها يوم القيامة ،ولكن المشكلة أن الناس يدركون النعم المادية كالمال والولد والمنصب وغيرها، ولا يكادون يدركون النعم غير المادية كالذكاء والمواهب الجسمية والقدرات النفسية.
فالغني مثلا يعلم أنه مطالب بالإنفاق في سبل الخير بما لا يطالب به الفقير، ولكن القوي لا يدرك أن في قوة جسمه حقًا للضعيف والكل، وقل مثل ذلك في البصير مع الأعمى، والصحيح مع المريض. . وكم من الناس من يستخدمون عقولهم التي منحوها لنصرة الحق والدفاع عنه، وكم من الناس من يوجه نعمة الفصاحة والبيان التي أوتيها إن كان باللسان وإن كان بالبنان للدعوة إلى الإسلام، وفضح أعدائه.
أوَ يظن أحد أن حساب الغني يوم القيامة كحساب الفقير؟ أو أن حساب الذكي كحساب الغبي والبليد؟ أو حساب الفصيح كحساب العيي؟ أو حساب الحافظ كحساب من ينسى؟ أو حساب الشجاع كحساب الجبان؟
إنه لمختلف جدًا، لا يستويان، وإن قال قائل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، فهذا بجهدي وبذلي، وكلٌ يستطيع أن يصل إلى ما وصلت إليه من منح الله ونعمه، فنقول: صحيح إن الاجتهاد مطلوب، وقد أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) )فبهذا يطلب البذل وتقر النتيجة التي يهبها الله لعباده بتقديره وتدبيره ولا يعلم ذلك التدبير إلا مدبره عز وجل.
ويعلم ذلك عباد الله لمن تدبر قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأعراف:165] . فلنقف مع هذه الآية العظيمة نستخرج منها دروسًا وحقائق:
فأولها: جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرْضِ، فجنس البشر خلفاء استخلفهم الله في الأرض لينظر كيف يعملون، وأصل وجودهم فيها هو لهذا، وهو قدر يشترك فيه جميع المكلفين.
والحقيقة الثانية: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، هكذا درجات، لتشمل جميع أنواع التمايز والاختلاف والتفاوت بين الناس، في أموالهم أو أجسامهم أو عقولهم أو ملكاتهم أو مواقعهم ومناصبهم ومسئولياتهم .... وهذه سنة إلهية محكمة نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] .
والحقيقة الثالثة: لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءاتَاكُم، فهذه الدرجات على اختلافها منن ومنح هي لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءاتَاكُم [المائدة:48] . فكل ما رزقكم الله من المنن الظاهرة أو الخفية فإنما ليبلوكم بها، هل تنجحون في تسخيرها للإسلام؟ أم تضيعونها هدرًا؟ أم تجعلونها حربًا في صدور المؤمنين؟.
والحقيقة الرابعة: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأعراف:167] . فإذا استثمر العبد ما منحه الله في معصيته وتكذيب رسله أسرعت إليه العقوبات في الدنيا والآخرة، وإذا بذل ما يملكه في سبيل الله تجاوز الله ما يحدث منه من خطأ وسهو وغفلة وتقصير، لأنه غفور رحيم.
حسين بن شعيب بن محفوظ
صنعاء
غير محدد
الخطبة الأولى
فإن الصراع بين الحق والباطل قائم على أشده منذ أن خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، فآدم عليه السلام وهو يمثل عنصر الخير في الأرض وتمثل الحق فيه، عاداه إبليس اللعين أصل كل شر وبلية، وذلك العداء من إبليس وجنده لآدم وذريته من المؤمنين قائم وسيظل قائمًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وتاريخ الأنبياء حافل بالصراع بينهم وبين الكافرين أولياء الشيطان فمنذ أن بعث الله آدم عليه السلام ومن لدن نوح عليه السلام حتى ختم الله الرسالة والنبوة، بمحمد وهداه إلى الإسلام يشنون حربًا لا هوادة فيها على الإسلام والمسلمين، وستظل هذه الحرب وإلى يومنا هذا بل وإلى يوم الدين.
والأعداء لن يكفوا عن حرب المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1899)